الأخبار

محمد الدويري : سكة حديد ميناء العقبة: مشروع دولة يعيد تعريف الجغرافيا الاقتصادية للأردن

محمد الدويري : سكة حديد ميناء العقبة: مشروع دولة يعيد تعريف الجغرافيا الاقتصادية للأردن
أخبارنا :  

في سياق التحولات الاقتصادية التي يشهدها الأردن، يبرز مشروع سكة حديد ميناء العقبة كأحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تعكس توجها حكوميا واضحا نحو تطوير البنية التحتية وتعزيز كفاءة منظومة النقل. فالمشروع لا يطرح كخيار تطويري تقليدي، بل كاستجابة عملية لتحديات مزمنة تتعلق بكلف النقل، وكفاءة سلاسل التوريد، وقدرة الاقتصاد الوطني على المنافسة.

هذا المشروع لم يكن قرارا آنيا، بل جاء نتيجة عمل حكومي تراكمي اتسم بدرجة عالية من الجدية والانضباط المؤسسي. داخل أروقة وزارة النقل، لم تكن الاجتماعات مجرد استحقاقات إدارية، بل ورش عمل مفتوحة، متواصلة ومكثفة، امتدت لساعات طويلة، وفي كثير من الأحيان حتى وقت متأخر من الليل، وينتقل العمل إلى المنازل، حيث كانت التفاصيل تناقش بعمق، والسيناريوهات تفحص بدقة، والقرارات تبنى على أسس علمية وهندسية واقتصادية راسخة.

فرق العمل لم تكن تتحرك ضمن إيقاع تقليدي، بل ضمن حالة عمل مكثف ومنسق، تناغمت فيها الجهود بين التخطيط الفني، والتحليل الاقتصادي، والتنسيق مع الشركاء الاستراتيجيين، في سباق حقيقي مع الزمن لضمان جاهزية مشروع بمستوى الطموح الوطني. هذا النهج يعكس تحولا واضحا في إدارة المشاريع الكبرى، حيث أصبحت الكفاءة والاستدامة وجودة التنفيذ عناصر حاكمة في جميع المراحل.

اقتصاديا، لا يمكن قراءة المشروع بمعزل عن كونه رافعة استراتيجية لقطاع التعدين، أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني. فخفض كلف نقل الفوسفات والبوتاس، ورفع كفاءة إيصالها إلى ميناء العقبة، ينعكس مباشرة على تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأردنية، وتحسين الميزان التجاري، وفتح المجال أمام استثمارات نوعية في الصناعات المرتبطة والخدمات اللوجستية.

أما لوجستيا، فإن المشروع يمثل إعادة تنظيم شاملة لحركة البضائع داخل المملكة، من خلال الربط المباشر بين مواقع الإنتاج وميناء العقبة، وتقليل الاعتماد على النقل البري لمسافات طويلة، بما يرفع كفاءة العمليات ويخفض التكاليف التشغيلية. ويأتي ذلك ضمن منظومة نقل متكاملة تقوم على التكامل بين السكك الحديدية والشاحنات والموانئ البرية والمراكز اللوجستية.

والأهم من ذلك، أن المشروع لا ينظر إليه كغاية نهائية، بل كنقطة انطلاق ونواة لشبكة سكك حديدية وطنية متكاملة، قابلة للتوسع مستقبلا، سواء داخل المملكة أو باتجاه الربط مع دول الجوار العربي، بما يعزز التكامل الاقتصادي ويفتح آفاقا جديدة لحركة التجارة الإقليمية.

ومع دخول المشروع مراحل التنفيذ، فإن تأثيره لن يقتصر على قطاع النقل، بل سيمتد ليطال بنية الاقتصاد الأردني بشكل أوسع، من خلال تحفيز الاستثمار، وخلق فرص عمل، وتعزيز التنمية، وإعادة توزيع النشاط الاقتصادي على أسس أكثر كفاءة وتوازن.

في المحصلة، نحن أمام مشروع يعكس انتقالاً مدروسا في النهج التنموي، من معالجة التحديات إلى بناء منظومة متكاملة قادرة على دعم النمو المستدام، وترسيخ موقع الأردن كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية. ــ الراي

مواضيع قد تهمك