بشار جرار : إقرار فكتور بالهزيمة
ليس المقصود بهذه السطور، رئيس الوزراء المجري فكتور أوربان، بقدر ما هم أولئك الواهمون بانتصارات لم ير فيها شهود العيان سوى الهزائم.
صحيح أن الانتخابات الهنغارية مهمة أوروبيا وأطلسيا، لكن أصداءها عابرة لضفتي الأطلسي والمتوسط، على نحو خاص لارتباط ما مثله وحزبه من سياسات تتعلق بمحاربة الهجرة غير الشرعية، وتأثره بظاهرة «الترامبية» الثقافية الاجتماعية الاقتصادية، أكثر من السياسية الأمنية التي عبّرت وتعبّر عنها ولايتا الرئيس الأمريكي، الأولى والثانية. كلاهما -ترمب وأوربان- وآخرون في ساحة دولية أخرى، معنيان في المعارك الانتخابية الوطنية، مع تياري العولمة واليسار- لا اليسار الماركسي أو الاشتراكي فحسب، بل ما تعرف بالصوابية السياسية، وما ترتب عليها من «الوكِزم» تلك الصحوة الخّدّاعة القتّالة، بكل شطحاتها ولوثاتها وتغولها على القيم الروحية والثقافية الراسخة عالميا وتاريخيا، كالموقف من الإيمان الروحي «الديني»، وقدسية نظام الأسرة، ومفهومي الأمة والدولة..
العجب العجاب، يتجلى في هوس البعض بكراهية الآخر، أو محبته إلى حد الانبهار والانقياد والانسحاق. أفهم وأتفهم في بعض الملفات، معارضة وحتى خصومة ترمب والمحافظين واليمين عموما، في بعض الساحات الدولية، لكن من المضحك المبكي، أن يرى «المُتأيْرِنون» من أتباع نظام طهران، ومن والاهم سرا وعلانية، من «الإخونج» واليسار المنحل-المختل، وفلول بعض النظم والتنظيمات «الثورية»، أن يرون في هزيمة «فكتور» أوربان، نصرا لإيران على ترمب!
لكن الدهشة سرعان ما تزول، عندما تستمع لسرديات جماعات «عدو عدوي، صديقي» وروايات شلل «صديق عدوي، عدوي»، تستمع فترى ما يضرب الكفّ بالكف! هم خريجو المدرسة ذاتها التي تحالفت في الحرب العالمية الثانية مع هتلر ضد تشرشل! واعتبرت هزيمة 48 «نكبة»، وكارثة 67 مجرد «نكسة»، ما دامت النظم «القومية الثورية» ما زالت حاكمة قادرة على رفع شعار «لا صوت يعلو على صوت المعركة» فكتموا الأصوات وخنقوا الحناجر وقطعوا الأرزاق والرقاب باسم ما يرون أنه انتصار أو مجرد «خسائر تكتيكية»!
ما اختلف منطقهم السقيم وتنظيرهم العقيم عن الحديث عن انتصارات «طوفان الأقصى»، وما زالوا يصفون «خاتمة الطوفان» الإيرانية انتصارا أيضا! أو منازلة «آخر الزمان»، على اعتبار أن سرديات السراديب، ظاهرها كباطنها، رحمة وعزة، بعد كل هذه الدماء الزكية التي سفكت، والإنجازات والإمكانات التي أهدرت بجرة قلم، أو رسالة نصية على «بيجر»، أو صوتية مشفرة على «ووكي توكي»، دون مشورة أحد ولا حتى «فيما بينهم»!
كان بإمكان فكتور أوربان وحزبه بكل الدعم الذي حظي به من ترمب، بانخراط نائبه جيه دي فانس شخصيا في حملته الانتخابية، كان بإمكانه مجرد التلكّؤ أو عدم الإقرار بالهزيمة الانتخابية، حتى تدخل البلاد في نفق الخراب وسرداب الفوضى..
لكنها ثقافة.. ثقافة الإقرار بالهزيمة، ومن ثم الاعتراف بنتائجها. المباركة للفائز، والانسحاب من المشهد -من «العرس» الديموقراطي- إلى الوراء خطوة أو خطوات، لدراسة أسباب هزيمة أوربان وحزبه، أسباب نجاح المعسكر الآخر.
تحية لفكتور أوربان ومن حذا حذوه. كاتب هذه السطور من مؤيديه عبر ضفتي المتوسط والأطلسي، لإيماني بالتزامه الروحي والوطني الصادق، بحماية بلاده من أي شكل من أشكال الغزو أو التغول، بصرف النظر إن كان مصدر التهديد أو «العشم» قد أتى باسم العولمة أو الجوار من الشرق أو الجنوب أو من بروكسل!
أوربان كان من المؤمنين بـ «المجر أولا».. وأن لكل بلاد في الدنيا ولكل أمة وشعب، خصوصية وأولوية لا تمس..
ومن يمن الطالع أن علاقات الصداقة والتعاون بين بلادنا والمجر وأوروبا عموما على اختلاف نتائج انتخاباتها، هي الجار الصديق والحليف في أكثر من قضايا «ذات الاهتمام المشترك».. مبروك لهنغاريا ولخليفة أوربان في رئاسة الوزراء..
جميع الحقوق محفوظة.