م . سعيد بهاء المصري : رؤية: شرق أوسط مُدار: إيران تقترب من الجوار وإسرائيل تُعيد التموضع
الجزء الأول
لم يعد الشرق الأوسط يتحرك ضمن نماذج الصراع التقليدية التي تقوم على الحسم العسكري أو الردع القائم على التهديد المباشر، بل يتجه تدريجياً نحو نمط مختلف يقوم على إدارة الاستقرار ضمن منظومة دولية تقودها الولايات المتحدة وتدعمها أوروبا، هدفها الأساسي ضمان استمرارية تدفقات الطاقة والتجارة العالمية.
في هذا السياق، تتراجع احتمالات المواجهة المفتوحة بين الأطراف، ويبرز بدلاً منها مفهوم أكثر تعقيداً يمكن وصفه بالردع المتبادل المستقر، حيث تمتلك جميع الأطراف: إيران، ودول الخليج، وإسرائيل قدرات كافية لمنع الاعتداء دون أن تسعى لاستخدامها، ما يخلق توازناً يمنع الانزلاق نحو التصعيد، ويدفع الجميع نحو الاحتكام إلى القنوات السياسية والمؤسسية.
ضمن هذا الإطار، لا يمكن فهم سلوك إسرائيل في المرحلة القادمة من منظور الهيمنة العسكرية المباشرة، بل من زاوية تحول دورها إلى مكوّن داخل منظومة إقليمية أوسع، تسعى من خلالها إلى تثبيت موقعها كشريك في إدارة الأمن الإقليمي ضمن قواعد واضحة، لا كفاعل منفرد خارجها. هذا التحول لا يعني تراجعاً في إدراكها للمخاطر، بل إعادة صياغة لأدوات التعامل معها، بحيث تنتقل من المبادرة الأحادية إلى العمل ضمن ترتيبات متعددة الأطراف تشمل أنظمة إنذار مبكر، وتنسيقاً تقنياً في حماية البنى التحتية، ومساهمة في أمن الممرات الحيوية، وكل ذلك تحت مظلة دولية تضبط الإيقاع وتمنع الانفلات.
في المقابل، تبدو إيران أمام فرصة لإعادة تموضعها الإقليمي ضمن مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على الاقتراب من دول الجوار، خصوصاً الخليج والأردن، دون التخلي عن الحد الأدنى من أدوات الردع التي تضمن عدم تعرضها مجدداً للضغوط أو الاستهداف.
هذا التوازن الدقيق بين الانفتاح والحذر يعكس إدراكاً متزايداً لدى طهران بأن الاستقرار الاقتصادي وإعادة الاندماج في النظام الدولي يتطلبان خفض مستوى التوتر، والقبول بقواعد عدم الاعتداء، والانخراط في ترتيبات رقابية تضمن الشفافية، خصوصاً فيما يتعلق بالملف النووي. غير أن هذا الانخراط لا يعني تحولاً كاملاً في العقيدة الاستراتيجية، بل إعادة ضبطها بحيث تصبح أكثر توافقاً مع متطلبات البيئة الدولية الجديدة، دون فقدان عناصر القوة الأساسية.
هذا التلاقي بين دور إسرائيلي يتجه نحو التنظيم ضمن منظومة، وسلوك إيراني يميل إلى الانخراط المشروط، ينتج حالة إقليمية لا تقوم على السلام الكامل، لكنها أيضاً لا تنزلق إلى الصراع، بل تستقر في منطقة وسطى يمكن وصفها بأنها استقرار مُدار بالقواعد. في هذه الحالة، لا تُلغى التباينات، لكنها تُحتوى ضمن آليات واضحة، ولا تُحسم الصراعات، لكنها تُدار بطريقة تمنع تحولها إلى أزمات مفتوحة. وهنا يصبح العامل الحاسم ليس توازن القوة فقط، بل وجود مرجعية دولية قادرة على ضبط الإيقاع، وتوفير ضمانات متبادلة، وتفعيل أدوات الوساطة والتحكيم عند الحاجة.
أمام هذا الواقع، تجد دول الخليج والأردن نفسها أمام ضرورة إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني، بحيث لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد ليشمل القدرة على الاستمرار الاقتصادي والاستقرار المؤسسي. لم يعد التهديد في هذا السياق هو الحرب المباشرة، بل الانقطاع المحتمل في تدفقات الطاقة، أو اضطراب سلاسل الإمداد، أو تعرض البنى التحتية الحيوية لأي خلل، حتى وإن كان محدوداً. لذلك، يتجه التفكير الاستراتيجي في هذه الدول نحو بناء ما يمكن تسميته بالمنعة الوقائية، وهي قدرة الدولة على امتصاص الصدمات دون أن تتحول إلى أزمات شاملة.
في قلب هذه المنعة يبرز مفهوم الـ Redundancy، أي بناء بدائل موازية تضمن الاستمرارية في حال تعطل أي مسار رئيسي. هذا لا يقتصر على تنويع طرق تصدير الطاقة أو تطوير ممرات بديلة للتجارة، بل يشمل أيضاً إنشاء شبكات بيانات احتياطية، وتوزيع البنية التحتية الحيوية جغرافياً، وتعزيز مرونة سلاسل التوريد، بحيث لا تصبح الدولة رهينة نقطة اختناق واحدة. في هذا الإطار، تتحول مشاريع الربط الإقليمي والممرات الاقتصادية إلى أدوات أمنية بقدر ما هي أدوات تنموية، لأنها تقلل من الهشاشة، وتزيد من قدرة الدولة على المناورة في بيئة غير مستقرة بالكامل.