هزاع البراري : الانقلاب الصامت في إيران وحكم العسكر
هل عجّلت الحرب بانقلاب عسكري صامت في إيران؟ المراقب بدقة يلمس ذلك، بل يرى أثره بشكل جلي في سير الأحداث منذ الهجمة الأولى واغتيال المرشد خامنئي؛ فقد عاشت إيران فراغًا في رأس هرم السلطة في وقت حالك. بدا أن الطبقة الحاكمة ليست في عجلة من أمرها، ولا يظهر عليها ارتباك واضح الملامح، لكن يتضح غياب سلطة المرشد المباشرة على سير المعركة، وتعدد جبهاتها، وتعقّد مساراتها، الأمر الذي يؤكد أن يد الحرس الثوري قد أُطلقت بكامل حريتها، وأن القرار السياسي غدا رهين القادة العسكريين. بل ينكشف، من خلال تصريحات الساسة الإيرانيين على ندرتها في ظرف كهذا ، وعلى رأسهم الرئيس بزيكشيان ووزير الخارجية عراقجي، أنهم آخر من يعلم، وأنهم بلا صلاحيات إدارية أو سياسية تُذكر؛ فلقد تمسك الحرس الثوري بمقاليد الساحتين العسكرية والسياسية بشكل سافر وغير خفي.
إن اختيار لجنة مؤقتة للقيام بمهام المرشد، وتجاهل وصيته، ومن ثم تنصيب مجتبى مرشدًا وهو في عداد المفقودين، وبطريقة غاب فيها مجلس الخبراء بشكل أو بآخر، يؤكد أن انقلابًا عسكريًا صامتًا قد تم بالفعل، وأصبح الحرس الثوري وكبار قادة الجيش هم الحكام الفعليين لإيران. والدلائل على ذلك عديدة؛ فشكل إدارة الحرب، والقصف العشوائي المقصود، وزجّ جبهات عدة في أتون المعركة، وإدخال مضيق هرمز في بؤرة المواجهات، وإقحام حزب الله والحوثي، وغياب الحس السياسي، واضمحلال دور رئيس الدولة ووزير الخارجية، وعدم العثور على المرشد المسمى، لا صوتًا ولا صورة، هي أكثر من دلائل على عسكرة الدولة في إيران، وتحويل ولاية الفقيه إلى حالة رمزية لا حول لها ولا تأثير.
يعي كلٌّ من الحرس الثوري والجيش أن سقوط النظام هو نهاية مأساوية لهذين الذراعين الممسكين بتلابيب إيران؛ فعلى مدى أربعة عقود أصبح الحرس الثوري قوة، ليس على صعيد القبضة العسكرية والأمنية فحسب، بل أصبحت له مصالح اقتصادية ونفعية لا حصر لها، سواء في حصص النفط والغاز، أو استحواذه على شركات اقتصادية كبرى، أو مكاسب وامتيازات لكبار ضباطه وأفراده. وقد تغلغلت أيدي الحرس الثوري والجيش في مفاصل الاقتصاد الإيراني، بشكل أثقل كاهل هذا الاقتصاد الذي يعاني أساسًا صعوبات مزمنة وعقوبات خانقة، مما زاد من معاناة المواطن الإيراني، وجعله مجرد آلة لدفع الضرائب والعمل الجائر لصالح هذه الطبقة البرجوازية من العسكر.
وهنا نفهم استماتة الحرس الثوري والجيش في الحفاظ على النظام، ولو تطلب ذلك تدمير إيران وإشعال حرب إقليمية بامتداد عالمي من خلال مسألة مضيق هرمز؛ لذا نجد أن مفاوضات إسلام آباد، وإن شكّلها الساسة من خلال عراقجي، إلا أن العقلية الحرس-ثورية هي من تقود المفاوضات إلى حالة مستعصية تنذر بتجدد الصراع على أسس مختلفة هذه المرة، ما لم تفلح جهود الوسطاء، خاصة الصين وباكستان.
لذا لا يبدو الأفق رحبًا، والحرب، إن لم تعد قريبًا، ستؤجل تأجيلاً في انتظار تفعيل الساحة الإيرانية الداخلية، وربما رافق ذلك تسليح بعض المكونات المتضررة من النظام الحالي. لا شك أن المعادلة بالغة التعقيد، لكن لن تبقى الحال على ما هي عليه طويلًا؛ فقد تتحول إلى مسألة عالمية بكامل تفاصيلها، وهنا ربما يكمن الحل القادم إذا استعصى هذا الحل الحالي.