لما جمال العبسة : إعادة رسم خريطة الطاقة والنفوذ العالمي
لم تعد الحرب الامريكية الصهيونية على إيران مجرد مواجهة عسكرية في اطار الاهداف المعلنة لواشنطن وتل ابيب، بل تحولت إلى زلزال جيوسياسي يعيد تشكيل توازنات الطاقة والاقتصاد العالمي، فالمضيق الذي كان شرياناً حيوياً لتدفق النفط والغاز أصبح عقدة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى، وتتكشف من خلالها حسابات واشنطن وموسكو وتل أبيب والخليج في لعبة معقدة تتجاوز حدود المنطقة.
إغلاق مضيق هرمز او تضييقه أحدث صدمة في أسواق الطاقة، إذ ارتفعت أسعار النفط والغاز بشكل جنوني، وتوقفت خطوط الملاحة، وارتبكت شركات الطيران العالمية، لكن خلف هذا المشهد المضطرب، برزت دول استفادت من الأزمة وأخرى خسرت موقعها التاريخي، مثلا روسيا كانت الرابح الأكبر وضاعفت إيراداتها النفطية والغازية مستفيدة من ارتفاع الأسعار ومن قدرتها على التصدير عبر خطوط لا تمر بالمضيق، وقدرت إيراداتها بنحو 10 مليارات يورو في شهر واحد،. أما الولايات المتحدة، فقد استثمرت الأزمة بذكاء عبر استحواذها على نفط فنزويلا، لتعويض النقص في الإمدادات الخليجية، وتتحول من مستورد متأثر إلى لاعب يتحكم في السوق.
في المقابل، كانت دول الخليج الخاسر الأوضح، فتعطّل «هرمز» ضرب قلب اقتصاداتها، وقلّص حصتها السوقية، ومع تراجع صادرات الغاز القطري وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، فقدت المنطقة جزءاً من وزنها في معادلة الطاقة العالمية.
الحرب على إيران بالنسبة لواشنطن ليست مجرد استجابة لحسابات تل أبيب الأمنية او للاهداف التي اعلنتها سابقاً، بل باتت مغامرة ذات حسابات أمريكية خالصة بعد ان كُشف لها اهمية المضيق وتأثيراته العالمية، فالسيطرة على مسارات الطاقة، الضغط على الصين، وإعادة ترتيب النفوذ في الخليج، كانت اهم ما تم تحقيقه إنها محاولة لإعادة هندسة النظام الاقتصادي العالمي بحيث تصبح الولايات المتحدة وروسيا قطبي الطاقة الجديدين، بينما يُعاد تعريف دور الشرق الأوسط من مركز إنتاج إلى ساحة عبور مضطربة.
استمرار الحرب على إيران يعني استمرار إعادة رسم خريطة العالم الاقتصادية والسياسية، فكل برميل نفط وكل ناقلة غاز تمر أو تتوقف عند هرمز أصبحت جزءاً من معادلة النفوذ الدولي، الرابحون هم من يملكون البدائل والقدرة على المناورة، والخاسرون هم من ارتبط مصيرهم بممر واحد.
هذه الحرب ليست فقط على إيران، بل على شكل النظام العالمي القادم، حيث تتقاطع الطاقة مع الجغرافيا لتصنع مستقبلًا جديداً لا يشبه ما قبله. ـ الدستور