الأخبار

أ. د. سلطان المعاني : دخان على الحافتين

أ. د. سلطان المعاني : دخان على الحافتين
أخبارنا :  

يظهر الشرق الأوسط في هذه الأيام تحت سماءٍ يعلو فيها الدخان أكثر مما يعلو الكلام المتزن، وتتحرك مؤشراته النفسية على إيقاع نارين تتغذيان من بعضهما بعضاً، نار تشتعل عند الحافة الشرقية حيث الخليج ومضيق هرمز وحسابات إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ونار تتسع عند الحافة الغربية حيث غزة ولبنان والبحر المتوسط وتتمدد معها فكرة الحرب من ميدانٍ إلى آخر حتى صار الإقليم كله يشعر أن الشرارة الواحدة قادرة على أن توقظ مخزون الرماد في أكثر من بلد وفي أكثر من جبهة.

عند الطرف الشرقي يبرز مزاجٌ مشدود إلى فكرة الاحتمال المفتوح، فالحرب هناك تتجاوز صورة الغارة والرد وتدخل إلى البنية الأعمق للدولة والاقتصاد والطريق البحري والسيادة والقدرة على إرباك العالم عبر نقطةٍ مائية يعرف الجميع أنها شريان طاقة وتجارة، ولهذا يبدو المشهد الإيراني والخليجي محكوماً بلغة الأعصاب الطويلة أكثر من محكوميته بلغة الحسم السريع، لأن كل يوم إضافي في هذا التوتر يرفع كلفة التأمين والشحن والطاقة ويجعل الأسواق الدولية شريكاً غير مباشر في ساحة القتال، وقد انعكس ذلك في اضطراب الملاحة حول هرمز وفي القفزة الكبيرة في أسعار النفط وفي اتساع القلق من تعطل سلاسل الإمداد، بينما دخل الحوثيون خط النار من اليمن بما يوسّع ظل الخطر على البحر الأحمر وباب المندب ويمنح الحافة الشرقية قدرةً إضافية على إظهار أن الجغرافيا ما تزال أقوى من كثير من الخطابات العسكرية الصاخبة.

يحمل هذا المزاج الشرقي شيئاً من الصلابة الباردة، ففيه رغبة في إثبات القدرة على الاحتمال وإدارة الخسائر وإشعار الخصوم بأن الطريق إلى الداخل الإيراني أو إلى المجال الحيوي المحيط به طريقٌ مكلفٌ وممتد، وفيه أيضاً وعيٌ بأن المعركة لم تعد محصورة في الطائرات والصواريخ، إذ دخلت إليها المرافئ وشركات التأمين والميزانيات العامة وأسعار الوقود وحسابات القوى الكبرى التي تراقب الشرق الأوسط بعين المصالح قبل عين المبادئ، ولهذا تكفي إشارة واحدة حول هرمز حتى ترتجف أسواق بعيدة، ويكفي صاروخ يخرج من اليمن حتى تتغير لغة الشحن والتأمين في مسارات تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، ويكفي تصريح عن أسابيع إضافية من الضربات حتى يدرك العالم أن دخان الحافة الشرقية يصعد فوق أكثر من عاصمة.

وعند الطرف الغربي يبدو المزاج مختلفاً في نبرته، أشد التصاقاً بالخراب اليومي وأقرب إلى منطق الأرض التي تُسحق تحت الذريعة الأمنية، فغزة ما تزال تنزف بعد حرب ثقيلة الكلفة الإنسانية والمؤسسية، وقد تجاوز عدد القتلى اثنين وسبعين ألفاً بحسب ما نقلته رويترز عن معطيات أممية، في وقت يواصل فيه مسؤولو الأونروا التحذير من استنزاف غير مسبوق طال موظفي الوكالة ومؤسسات الإغاثة، ثم جاء لبنان ليدخل طوراً أكثر قسوة مع إعلان إسرائيل نيتها إنشاء منطقة عازلة حتى نهر الليطاني ومنع مئات الآلاف من العودة إلى قراهم مع ارتفاع أعداد النازحين إلى أكثر من مليون وازدياد المخاوف من تحويل الجنوب اللبناني إلى جغرافيا اقتلاع طويلة الأمد.

الحافة الغربية تعيش إذاً مزاجاً مثقلاً بالغبار وبالبيوت المهدمة وبالمدن التي تتحول إلى خبر يومي بعد أن كانت أمكنةً مفعمة بالحياة، وفي هذا المزاج تتسع مسافة الغضب الشعبي وتضيق مساحة الثقة بأي تسويات قريبة؛ لأن الناس هناك ترى النار رأي العين في الأزقة والمخيمات والطرق والسواحل، وترى أن الأمن الذي يجري الحديث عنه يأتي محمولاً على إخلاء جماعي ودمار واسع ومشهدٍ تتراجع فيه قيمة القانون الدولي كلما تقدمت الجرافة والدبابة والطائرة، ومن هنا ينشأ ذلك الشعور الكثيف بأن الطرف الغربي من الشرق الأوسط يعيش تحت مزاج اقتلاع أكثر من عيشه تحت مزاج إدارة نزاع، وأن البحر القريب من غزة ولبنان صار مرآةً أخرى للدخان الصاعد من اليابسة.

وبين الحافتين تقف المنطقة العربية في قلب المشهد وكأنها تتنفس من رئةٍ يثقلها الرماد؛ لأن الشرقي يضغط على الطاقة والممرات والتوازنات الكبرى، والغربي يضغط على الوجدان والصورة الإنسانية والاستقرار الاجتماعي والسياسي، وحين يجتمع الضغطان يتكوّن مزاج إقليمي عصبي يرى المستقبل من خلال نافذة ضيقة، فالتاجر يفكر في الطريق الآمن، والمواطن يفكر في سعر الوقود والغذاء، والدولة تفكر في حدودها وفي قدرتها على امتصاص موجات القلق، فيما تتراجع اللغة العاقلة كلما ارتفعت شهية القوة.

ولهذا تبدو حرائق الشرق الأوسط في مطلع نيسان 2026 أكثر من سلسلة معارك منفصلة، فهي حالة مزاجية كبرى تحكم الإقليم من طرفيه، مزاجٌ شرقي يلوّح بالمضيق والطاقة والقدرة على الإزعاج الممتد، ومزاجٌ غربي يئن تحت ثقل التدمير والنزوح وانكسار المجال المدني، وبينهما مساحة عربية تحتاج إلى عين باردة وعقل استراتيجي طويل النفس؛ لأن الدخان حين يعلو فوق الحافتين يرسل رسالته إلى القلب أولاً، ورسالة الدخان هنا تقول إن الإقليم دخل مرحلةً تتطلب قراءة تتجاوز اليومي والعابر، قراءة ترى أن النار حين تجد مناخها المناسب تتحول من حادثة إلى مناخ، ومن مواجهة إلى زمن كامل.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك