الاب رفعت بدر : الشعانين هذا العام: آمال متجدّدة بالسلام
يأتي هذا الأحد مميّزًا في الروزنامة الكنسية، إذ تحتفل الكنيسة الكاثوليكية وسائر الكنائس التي تتبع التقويم الغربي بعيد الفصح المجيد، فيما نحتفل في الأردن السائر على التقويم الشرقي، بأحد الشعانين، في مشهد كنسي ووطني يعكس خصوصيّة هذا البلد العظيم المقدّس الذي وحّد الأعياد منذ أكثر من خمسين عامًا، فصار المؤمنون، من مختلف الكنائس، يسيرون معًا في درب واحد نحو الأسبوع المقدس.
وفي القدس، حيث تختصر الجغرافيا معنى الإيمان، يُحتفل هذا العام بعيد القيامة في كنيسة القيامة بأعداد محدودة، في ظل ظروف استثنائية. وقد عبّر بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، عن حزنه الشديد بعد منعه الأسبوع الماضي من الدخول لإقامة شعائر أحد الشعانين. إلا أن ضغوطًا دولية لافتة أسهمت في فتح الكنيسة لإقامة الشعائر، ولو بشكل محدود، في خطوة تعكس أهمية هذه الأماكن المقدسة ليس فقط دينياً بل إنسانياً وحضارياً على مستوى العالم. لم تكن الصور القادمة من هناك مشجعة، لاسيّما وإنّ الأقصى الشريف ما زالت أبوابه أيضا مغلقة، والأمور مقلقة، الا أنّ الفصح المجيد هو عيد الرجاء بامتياز، بالرغم من الجراح.
في هذا السياق، يكتسب أحد الشعانين هذا العام بعدين أساسيين: أولاً: الصعود. فالسيّد المسيح يصعد إلى أورشليم القدس، و يدخلها وهو في مسيرة صعود نحو جبل الجلجلة، وبكامل وعيه يعمل على إتمام رسالته الخلاصية. لم يكن هذا الصعود سهلًا، بل كان طريقاً مليئاً بالتحديات، ينتهي بالصليب ويُتوَّج بالقيامة. إنها دعوة لكل إنسان اليوم، في ظل ما يعيشه من ضغوطات وأزمات، إلى عدم الاستسلام للانحدار، بل إلى الصعود: صعود في القيم، في الإيمان، وفي القدرة على الإستمرار رغم كل شيء.
ثانيًا: السلام: يدخل المسيح المدينة لا كفاتحٍ بقوة السلاح، بل كملكٍ وديع، حاملًا رسالة سلامٍ يحتاجها عالمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى. في منطقة مثقلة بالصراعات، يصبح هذا المشهد نداءً ملحاً لإعادة الاعتبار لقيم التواضع والحوار، وللبحث الجاد عن سبل إنهاء العنف وبناء مستقبل أكثر استقراراً .
في الشعانين، يرفع المسيحيون غصن زيتون ويلوّحون به، علامة على أنّهم أبناء السلام والعدالة والحوار، وما كان الدين أبدا داعياً إلى تمجيد الحرب أو تطويع الكتب المقدّسة، إلى ما يخدم الأجندات السياسية، والمصالح الضيّقة، كما يحدث في هذه الأيام مع كلّ أسف. وهذا ما حدا بالبابا لاون في أوّل أحد شعانين له، إلى أن يصرّح بقوله: "انّ ملك السّلام، إله يرفض الحرب، ولا يستطيع أحدٌ أن يلفظ اسمه لتبريرها، هو إله لا يصغي إلى صلاة الذين يخوضون الحرب، بل يرفضها".
ومن الأردن، الذي يشكّل نموذجًا في العيش المشترك واحترام الشعائر الدينية، تتجدّد الدعوة إلى السلام. ولا بد من الإشادة بالجهود التي يقودها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، وسموّ ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، في سبيل خفض التوترات والدفع نحو حلول سياسية عادلة، بما يحفظ كرامة الإنسان ويصون المقدّسات. وتحيّة نزجيها إلى الأجهزة الأمنية المتواجدة طوال هذا الأسبوع المقدّس، على بوّابات الكنائس ، لتشارك المصلين أفراح العيد.
عيداً
مباركاً للمحتفلين هذا الصباح سواء بأحد القيامة المجيد، أو بأحد
الشعانين، وكلّ من الأحدين ليس مجرد ذكرى دينية، بل هو رسالة حيّة: أن نصعد
فوق جراحنا، وأن نصنع السلام رغم كل التحديات. ــ الراي
Abouna.org@gmail.com