علاء الدين ابو زينة : أن تفكر كفلسطيني..! (22)
تاريخ إعدام فلسطين، والفلسطينيين
لا يثير قرار كنيست الكيان الصهيوني بشرعنة إعدام الأسرى الفلسطينيين
استغراب الفلسطيني. تقول له خبرته إن الكيان لا يحتاج إلى تشريع قانون لقتل
الفلسطينيين، بتهمة وبلا تهمة، بعد عمل مقاومة أو نائمين في بيوتهم. وبحسب
الصحفية الأميركية آشلي ميلر في تقرير نُشر في 26 آذار (مارس)، قتل الكيان
ما لا يقل عن 26 فلسطينيًا في الضفة الغربية منذ بداية العام، من بينهم
ثمانية على الأقل قُتلوا على يد مستوطنين، من دون محاكمة ولا تشريع. ووفق
تقارير الأمم المتحدة والتقارير الإعلامية، قتل الكيان في غزة ما بين 780
و800 فلسطيني في قطاع غزة في الفترة نفسها، من دون محاكمة ولا تهمة. بل
هناك تهمة جاهزة تستوجب الإعدام في الحقيقة: فلسطيني!
يعني المشروع الصهيوني بطبيعته، بكونه استيطانيًا إحلاليًا، أيديولوجيًا
وعمليًا، حُكمًا قبليًا بالإعدام من دون محاكمة على كل فلسطيني. والفكرة
ببساطة أنه مشروع قائم في كل تفصيل على التناقض الوجودي: حتى أوجد، كمستعمر
استيطاني، يجب أن تكف أنتَ عن الوجود –إذا لم يكن وجودك الفيزيائي، وهو
الأفضل، فوجودك التاريخي. وحتى أكون مواطنًا في العالَم بدولة، يجب أن تكون
شيئًا بلا دولة، بلا نسبة إلى أرض، وبلا تاريخ أو أي علامة حيوية. ولن
أستقر ككيان طبيعي في هذا العالَم طالما كان هناك أحد –أو شيء- في العالم
يتحدى سرديتي ويثير شكًا في شرعيتي.
ثمة إعلان علني بالحكم بالإعدام –بلا تهمة ولا محاكمة- على فلسطين
والفلسطينيين، أصدره شخص في بريطانيا، بلفور، في العام 1917. وقد سجل شاعر
الأردن العظيم الراحل، مصطفى وهبي التل، معنى ذلك الإعلان وشرح تداعياته
ببصيرة عبقرية: «يا رب إن بلفورُ أنفذ وعده.. كم مسلم يبقى وكم نصراني/
طوكيان مسجد قريتي من ذا الذي.. يبقي عليه إذا أزيل كياني/ وكنيسة العذراء
أين مكانها.. سيكون إن بعث اليهود مكاني». لن يبقى أحد –ليس جسديًا
بالضرورة. ربما رمزيًا وتاريخيًا وشعورًا بالسيادة والكرامة.
بدأ تنفيذ حكم الإعدام بحق الفلسطينيين عمليًا في العام 1922، بمصادقة
«عصبة الأمم» –وهي تشكيل عصابي حقًا- على صك الانتداب البريطاني على
فلسطين. ومنحت المصادقة بريطانيا حق الإدارة المؤقتة لفلسطين، وإنما لتنفيذ
«وعد بلفور»، وبذلك التأسيس لحالة دائمة من الاستعمار الصهيوني في البلد.
وكان حكم البريطاني مزودًا بقانون ضمني يجيز إعدام كل فلسطيني يقوم
الاستعمار البريطاني، أو يعطل المهمة التي يشرف عليها بشأن حكم بلفور. وبدأ
النحس الذي سجله شاعر فلسطين العظيم الراحل إبراهيم طوقان في «الثلاثاء
الحمراء».
في يوم الثلاثاء، 17 حزيران (يونيو) 1930، قامت بريطانيا بإعدام شهداء ثورة
البراق الثلاثة، محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير، شنقًا. «لما تعرض
نجمك المنحوسُ .. وتعلقت بعرى الجبال رؤوسُ». وكان ذلك أول تنفيذ معروف
لإعدام الأسرى المدانين بمقاومة الاستعمار، ولم يتوقف عداد إعدام
الفلسطينيين، جسديًا وتاريخيًا، في أي لحظة حتى هذه اللحظة في العام 2026،
ولا يبدو أنه سيتوقف.
ثم، في 29 تشرين الثاني 1947، أصدرت «الجمعية العامة للأمم المتحدة» القرار
رقم 181 الذي أعطى المستعمرين اليهود أكثر من نصف فلسطين التاريخية. وعنى
ذلك القرار الاعتراف بالكيانية والوجود للمشروع الاستعماري الصهيوني. وعنى
الاعتراف بوجود الكيان منحه الحق في الدفاع عن هذا الوجود ضد ما ومَن
يهدده. ومن الطبيعي أن يكون التهديد لهذا الوجود هو الوجود الفلسطيني –على
الأقل في الأرض التي مُنحت –كحق- لليهود. وبذلك يكون قتل الفلسطينيين
مكفولًا للمستعمرين وفق حق «الدفاع عن النفس/ الوجود» الذي ما يزالون
يقتلون الفلسطينيين على أساسه –ومنه إقرار قانون إعدام الأسرى- الشكلي.
وإذا كان قد تبقى شيء يشكك في «طبيعية» أو «استقرار» الكيان الاستعماري
الاستيطاني الإحلالي وأفراده بعد الاعتراف الأممي بوجوده، فقد شرع في
التبدد بعد تقاطر آخر الرافضين والمشككين –ومنهم فلسطينيون، للأسف- إلى
الاعتراف بشرعية وجود الكيان وتطبيع هذا الوجود. وكمسلمة لا تحتمل التفكيك
بأي منطق، عنى هذا الاعتراف بتعزيز المصادقة على حق الكيان في إعدام فلسطين
والفلسطينيين، جسديًا وتاريخيًا، باعتبار ذلك «دفاعًا» عن وجود معترف به
يملك تلقائيًا «الحق في الدفاع عن النفس» بالطريقة التي يفسر بها الكيان
هذا الحق ويمارسه. ولا يمكن تصور أن يوجد كيان استعماري استيطاني إحلالي من
دون إلغاء وجود نقيضه الوجودي: أصحاب الأرض المستعمَرة.
في الحقيقة، بعد السكوت على الإبادة الجماعية الصريحة التي ما تزال جارية
في غزة والضفة، لا يملك الفلسطيني سوى استنتاج أن «قانون إعدام الأسرى
الفلسطينيين» حائز مسبقًا على مصادقة كل من ساهم في منح الشرعية لوجود
الكيان الاستعماري الاستيطاني في فلسطين وسهل دوامه. منذ كان «وعدًا» إلى
أن أصبح كيانًا متحققًا، يملك الأدوات والتمكين للانتقال من تشريع إعدام
الفلسطينيين إلى شرعنة إعدام كل مَن هم في حدود «إسرائيل الكبرى»، رمزيًا
على الأقل ككيانات ذات إرادة، متى ما شاء وغب الطلب.
ولا يستطيع الفلسطيني سوى أن يلاحظ مدى التواطؤ والمصادقة على إعدام فلسطين
والفلسطينيين في موقف المنكبين على تشويه معنى «المقاومة» بحيث جعلوا
الكلمة الجليلة وصمة بمساواتها بالعبثية والفوضى والجنون. إن هؤلاء يبررون
معاقبة المقاومين للمشروع الصهيوني الإبادي ومشروع الهيمنة الأكبر من
ورائه، ويسهمون فعليًا في جعل إعدام فلسطين والفلسطينيين -الذين تكافئ
المقاومة في خبرتهم الوجود نفسه- ومن يساندهُم طبيعيًا ومبررًا. هؤلاء
يطمسون التاريخ ويضيقون الصورة الكبيرة، وينزعون الأشياء من سياقها
التاريخي بتعسف غير إنساني وتآمر غير واعٍ على الذات. أفلا يسكتون؟!
ــ الغد