الأخبار

موفق ملكاوي : سوزان ساراندون: ثمن الضمير في مدينة الصمت

موفق ملكاوي : سوزان ساراندون: ثمن الضمير في مدينة الصمت
أخبارنا :  

طردت من عملها ومنعت من الظهور الإعلامي، كما تعرضت للتنديد على شاشات التلفزة وفي سينما هوليوود بعد دعمها لغزة والشعب الفلسطيني. ولكن، هناك في إسبانيا، كانت تستقبل بكل حفاوة تليق بتاريخها الفني والإنساني وهي تتسلم جائزة «غويا الدولية» قبل أيام قليلة.

إنها النجمة العالمية سوزان ساراندون، آخر ضحايا النزعة الصهيونية الخالصة التي تكتسي بها عاصمة الفن العالمية هوليود، والإعلام المنحاز، و»الصهيونية المسيحية» التي تسيطر اليوم على الولايات المتحدة الأميركية.
في سجلات هوليود، شكل نشاط النجمة اللامعة حالة إنسانية وفكرية نادرة في صناعة اعتادت أن تكافئ الصامتين وتعاقب أصحاب المواقف.
ولدت في العام 1946 في مدينة نيويورك، وبدأت ببناء مسيرتها الفنية بهدوء في سبعينيات القرن الماضي، مصحوبة بصورة أخلاقية ذات صوت مرتفع، غير آبه بكلفة الموقف حين يتعلق الأمر بالعدالة وحقوق الإنسان.
انطلاقتها الكبرى جاءت مع فيلم «ثيلما ولويس» في 1991، مقدمة شخصية امرأة تتمرد على قوالب المجتمع الذكوري، في عمل أصبح علامة فارقة في السينما الأميركية. لكن ذروة نضجها الفني تجلت في «الميت الذي يمشي» الذي نالت عنه جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة، بأدائها دور راهبة تناهض عقوبة الإعدام، والذي كانت ساراندون تعبر فيه عن قناعة شخصية راسخة، عززتها لاحقا بأن أصبحت من أبرز المناهضين لعقوبة الإعدام في الولايات المتحدة.
مسار حياتها المهني يتقاطع بشكل لافت مع قناعاتها الشخصية، خصوصا في مواقفها من الحرب على العراق، والسياسات الأميركية في أميركا اللاتينية، وقضايا العدالة العرقية في بلدها، ودعمها الصريح للحقوق الفلسطينية، وهي مواقف وضعتها مرارا في مرمى الانتقادات.
بعد تصريحاتها الداعمة لغزة والشعب الفلسطيني، تعرضت لحملات تشهير، وأُلغيت ارتباطات مهنية لها، وواجهت ما يشبه «العقوبة غير المعلنة» في صناعة ترفع شعار الحرية بينما تضيق ذرعا بالمواقف المخالفة للسردية السائدة.
وفي الوقت الذي يعبر فيه كثير من النجوم عن مواقف عامة في قضايا إنسانية لا تكلفهم شيئا، أو تتناغم مع المزاج السائد، إلا أن ساراندون لم تختر هذا «المسار الموسمي» لقناعاتها، فقد اختارت الاصطفاف إلى جانب قضايا شائكة ومكلفة ومعقدة سياسيا، فهي لا تبحث عن صورة تقدمية ناعمة، وإنما عن موقف واضح لا يتم فيه موازنة المصالح الشخصية الآنية مع القناعات.
في مواقفها تلك، لم تختبئ خلف عبارات عامة، ولا خلف لغة رمادية حمالة أوجه، وإنما كانت صريحة في انتقادها للرؤساء الأميركيين من الحزبين، وعززت انتقاداتها بمشاركات في التظاهرات، فاعتقلت في بعض تلك الاحتجاجات. هذا التماهي بين القناعة والسلوك هو ما جعلها عرضة للعقاب، لكنه أيضا هو ما رسخ صورتها بوصفها فنانة ذات ضمير حي.
لكن ساراندون لم تكن وحدها في قائمة «النجوم ذوي الضمير»، فقبلها كانت النجمة جين فوندا تدفع ثمنا باهضا لمعارضتها «حرب فيتنام»، لتتعرض لمقاطعات علنية من دور الإنتاج والمخرجين، كما قوطعت أفلامها في العديد من الولايات ودور العرض الأميركية.
النجم شون بن، بدوره، تعرض لسلسلة من الحملات الإعلامية والسياسية ومحاولات تهميش، نتيجة مواقفه وزياراته إلى دول تصنفها واشنطن خصوما أو دولا إشكالية في سياستها الخارجية، مثل العراق وفنزويلا وكوبا، ما أثار حملات تشويه ضده، ودعوات لمقاطعة أفلامه، وأدى بالفعل إلى تهميش مهني غير معلن، وتراجع حضوره في الإنتاجات الكبرى.
هذه الحوادث تذكر كذلك بفترة أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، حين دخلت الولايات المتحدة مرحلة من الهوس السياسي بملاحقة كل من يشتبه بتعاطفه مع الشيوعية، في سياق الحرب الباردة وصعود نجم السيناتور جوزيف مكارثي. كانت هوليوود والوسط الثقافي من أكثر الساحات استهدافا، في خلاف أنتج محاولات ممنهجة لإعادة تشكيل الحياة المهنية والشخصية لمئات الفنانين.
قوائم سوداء تم إدراج أسماء فنانين وكتاب ومخرجين فيها، تمنع بموجبها استوديوهات هوليوود من التعاقد معهم. كثيرون مثلوا أمام لجنة الأنشطة غير الأميركية، وكان الضغط يتمحور حول الاعتراف بالانتماء الشيوعي أو الوشاية بأسماء زملاء، وفي حال الرفض يكون الشخص أمام خياري السجن أو المنع من العمل.
سوزان ساراندون امتداد لسلسلة طويلة من الفنانين الذين اصطدموا بالبنية العميقة للصناعة حين تجاوزوا حدود «المسموح سياسيا»، في احتكار واضح لحق تعريف المقبول أخلاقيا وسياسيا داخل صناعة يفترض أنها تقوم على حرية التعبير في هوليوود، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية الكبرى مع شبكات الضغط السياسي والإعلامي، فيعاقب الفنان بـ»العزل الناعم»، من إعادة تشكيل صورته في المخيال العام، وبإشعاره أن ثمن الموقف قد يكون مستقبله المهني.  ــ الغد

مواضيع قد تهمك