الأخبار

اسماعيل الشريف : صباح اليوم

اسماعيل الشريف : صباح اليوم
أخبارنا :  

قلت : ابتسم، يكفيك أنك لم تزل ...حيا، ولست من الأحبة معدما- إيليا أبو ماضي.
أجاهد لأنتزع نفسي من الفراش؛ لقد استيقظتُ بمزاجٍ عَكِر.
إن كنتَ تشاطرني هذا الشعور، فلا بأس.
ربما كانت حكايةً داخلية رويتُها لنفسي ليلة أمس، أو ذكرى استدعيتُها من مخزون الأيام، أو حادثةً ضخّمها الذهن البشري بطبيعته، أو مسؤولياتٍ تبدو فوق طاقة الإنجاز، أو أخبارًا حملتها نشرات الأمس إلى مسامعي.
تستحضر ذاكرتي أثرياء العاصمة عمّان في خمسينيات القرن المنصرم، أولئك الذين قرأتُ عن ثرواتهم عبر أعمالٍ روائية مثل "السلطانة" و"سيرة مدينة". فأين هم الآن؟ هل ثووا تحت أطباق الثرى، أم تحوّلت أحوال ذريتهم إلى العَوَز والحاجة؟ الحمد لله على أن وضعي الراهن أفضل حالاً منهم.
نطالع في بطون الكتب عن عظمة الإسكندر الأكبر المقدوني، وأُبّهة أكاسرة الإمبراطورية الفارسية، وثروات قارون الأسطورية، ومع هذا كله فإن واقع حياتي المعاصرة يتفوق على ما عاشوه قاطبةً؛ بل إنني أجزم بثقةٍ أن مستوى الرفاهية الذي أنعم به يتجاوز بمراحل ما كان يتمتع به أكثر الأثرياء رخاءً قبل مئة عام فحسب. فقد فارق الحياة أكثر البشر ثراءً ونفوذًا وبطشًا في الأزمنة الغابرة بسبب حُمّى عابرة، لمجرد أن عقاقير المضادات الحيوية لم تكن قد اكتُشفت بعد في تلك الحقبة.
كان الناس في الماضي يقطعون المسافة من قلب العاصمة إلى وادي السير في رحلةٍ تستنزف الوقت والجهد، بينما نجتازها اليوم في غضون دقائق معدودة - في ظل انسيابية الحركة المرورية - كما نصل إلى مدينة العَقَبة في خمس عشرة دقيقة فقط بالطائرة.
يؤكد خبراء الإحصاء أن احتمالية الفوز بأضخم سَحب يانصيب عالمي تبلغ واحدًا مقابل 292.5 مليون احتمال، وقد تتراوح فرصتك في اليانصيب الأردني عند واحد إلى مليون على سبيل المثال. لكن هل أدركتَ أن احتمالية وجودك كإنسانٍ على سطح هذا الكوكب تقدّر بواحدٍ إلى 400 مليار؟ تمعّن في هذه المِنّة الجليلة التي تتجاوز قيمتها كل كنوز الأرض؛ إنها تكريمٌ إلهي اصطفاك الله من أجله لتتدبّر عظمة خلقه وملكوته.
وحتى لو لم تستسغ هذه المعطيات الإحصائية، فإنها تظل حقيقةً موضوعية لا مفرّ منها.
قد ينتابك هذا الشعور بالضيق النفسي نتيجة موقفٍ عابر، أو قصة، أو ضائقةٍ مالية، أو أعباءٍ مهنية متراكمة. لكن هل ترضى أن تواجه كل هذه التحديات وأنت محرومٌ من الطعام، أو المياه النقية، أو مأوىً يحميك؟ هناك الملايين من البشر يفتقرون إلى أدنى مقومات الحياة.
وما تمرّ به من تجارب هو مسارٌ إنساني مشترك يعيشه جميع البشر، بل إن هناك من يواجهون تحدياتٍ تفوق مشكلاتك أضعافًا مضاعفة، ومع ذلك ينهضون كل صباحٍ بعزائم متّقدة وهِمَمٍ لا تعرف الفتور.
قد يتحوّل حبّ الذات إلى حب مؤلم مُدمِّر، كما أن المزاج المعكّر قد يقودك نحو الخشونة في التعامل والانحدار في السلوك، بل قد يجرّك إلى الانغماس في عاداتٍ سيّئة. وإذا استطاع شخصٌ آخر يخرج نفسه من مزاجه السيّئ، فلماذا لا تكون أنت ذلك الشخص؟
وقفنا على عبارة «كلّ مُرٍّ سيمرّ» في أحد اللقاءات التي أجراها رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عمر الرزاز، وكان الأولى أن تُستكمل هذه الحكمة بالقول: «وكلّ جميلٍ سيمرّ».
من غير الواقعي أن تُحدِث كلماتي هذه تحوّلًا فوريًّا في حالتك المزاجية؛ فالتغيير الحقيقي يتطلّب مسارًا زمنيًا ممتدًا وبطيئًا، ويستلزم تدريبًا مضنيًا ومثابرةً متواصلة.
لكن مع كل صلاةٍ تؤدّيها، ومع كل تسبيحةٍ ترفعها، ومع كل خطوةٍ تخطوها في سبيل الله، ستشهد تحسّنًا تدريجيًّا ملموسًا.
إن وجدتَ نفسك تتخبّط في جحيم الحالة النفسية السلبية، فلا تستسلم؛ تحرّك بإرادةٍ واعية واخرج منه.
الحمد لله، لقد نجحتُ في انتزاع نفسي من قيود الفراش... والآن جاء دورك. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك