الأخبار

د. شادي العنبتاوي : لعبة أسعار الذهب والبترول في عالم الدولار

د. شادي العنبتاوي : لعبة أسعار الذهب والبترول في عالم الدولار
أخبارنا :  

يتشكل المشهد المالي العالمي في عام 2026 من خلال عملية إعادة هيكلة شاملة لكيفية انتقال الأموال والطاقة عبر الحدود. وفي قلب هذا التحول تبرز مجموعة بريكس(BRICS)، التي انتقلت من مرحلة النقاش حول الاستقلال الاقتصادي إلى مرحلة هندسته فعلياً.

فيما يلي تحليل للتصادم الثلاثي بين الذهب، والسندات، وأسعار النفط.

لعقود من الزمن، كانت سندات الخزانة الأمريكية هي «الأصل الخالي من المخاطر» بلا منازع في العالم. فإذا كان لدى دولة ما فائض نقدي، كانت تشتري ديوناً أمريكية. لكن هذا العصر يلفظ أنفاسه الأخيرة.

1. التخلص من السندات

بقيادة الصين والهند والبرازيل، قامت دول بريكس بتقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية بشكل كبير. وفي أوائل عام 2026، انخفض مخزون الصين من الديون الأمريكية إلى ما دون 680 مليار دولار، وهو تراجع مذهل من ذروته التي تجاوزت 1.1 تريليون دولار. لماذا؟ لان تسييس الدولار (عبر تجميد الاحتياطيات الروسية في 2022) أرسل رسالة واضحة، إذا لم تكن تملك الأصل المادي (الذهب)، فأنت لا تملك المال حقاً. ومع تجاوز الدين الوطني الأمريكي حاجز 38 تريليون دولار، تخشى دول بريكس من أن الولايات المتحدة ستسدد ديونها في النهاية بدولارات فقدت الكثير من قيمتها الشرائية.

2. تكديس الذهب

بينما كانت تبيع هذه الدول السندات، فإنها تشتري الذهب بوتيرة لم نشهدها منذ ستينيات القرن الماضي. حيث بلغ متوسط مشتريات البنوك المركزية من الذهب 60 طناً شهرياً في عام 2026. وقد أطلقت مجموعة «بريكس» رسمياً مشروعاً تجريبياً لعملة تجارية رقمية تُعرف باسم اليونيت. وبحسب التقارير، فإن هذه العملة مدعومة بنسبة 40% من الذهب الفعلي، مما يحول الذهب من مجرد احتياطي ساكن إلى أداة نشطة لتسوية التجارة الدولية. ولكن هذه العملة التجريبية ستصطدم باطماع دول بريكس بتقوية عملاتها المحلية لتحل محل الدولار كعملة عالمية للتداول.

3. علاقة النفط: هل هي نهاية البترودولار؟

لا يمكن فصل العلاقة بين بريكس والذهب عن أسعار النفط. تاريخياً، كان النفط يُسعر حصرياً بالدولار (نظام البترودولار)، لكن هذا الاحتكار قيد التحطم الآن. تقوم روسيا وإيران الآن بتسوية جزء كبير من صادراتها من الطاقة بالعملات المحلية (اليوان، الروبية). فعندما تشتري دولة مثل الهند النفط الروسي بالروبية، تستخدم روسيا تلك الروبيات لشراء سلع هندية، تقوم بتحويل الفائض إلى ذهب. هذا يخلق حلقة مغلقة لا تلمس النظام المصرفي الأمريكي أو نظام سويفت (SWIFT). ومع توسع بريكس بلحظة حصول هدوء نسبي للحرب الامريكية الايرانية، ستشمل بريكس عمالقة الطاقة مثل الامارات والسعودية، فإن هذا التحالف سيسيطر فعلياً على بطارية العالم. ومن خلال ربط هذه الطاقة بنظام تسوية مدعوم بالذهب، فإنهم يحاولون خلق عملة تتمتع بقيمة «واقعية» أكثر من الدولار.

4. لماذا ينخفض الذهب بينما يرتفع النفط؟

في مارس 2026 ظهرت ظاهرة غريبة، ارتفعت أسعار النفط إلى 113 دولاراً للبرميل بسبب الصراع في الشرق الأوسط والتهديدات بإغلاق مضيق هرمز، ومع ذلك انخفضت أسعار الذهب إلى ما دون 4,200 دولار للأونصة. قد يبدو هذا مناقضاً لقصة شراء بريكس للذهب، باعتقادي انه رد فعل مؤقت للاسباب التالية:

- طفرة التضخم: ارتفاع أسعار النفط يسبب تضخماً فورياً وحاجة فورية للسيولة من اجل الشراء.

- أسعار الفائدة: أشار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى أنه سيبقي أسعار الفائدة عند مستويات الطوارئ المرتفعة (حوالي 6%) و بالتالي يفضل المضاربون الاحتفاظ بالنقد أو السندات للحصول على عوائد عالية. وبما أن الذهب لا يدر فائدة سنوية، يبيع بعض المضاربين ذهبهم الورقي للحصول على عوائد مرتفعة في اسواق اخرى.

ماذا عن الدولار

رغم تقلبات الأسواق في زمن الحرب، فإن الاتجاه واضح؛ دول بريكس تتجه نحو الأصول الحقيقية. إنهم يستبدلون الديون الحكومية بـ أصول ملموسة (الذهب والنفط). على المدى القصير، سيظل الدولار الأمريكي مهيمناً بسبب أسعار الفائدة المرتفعة. ومع ذلك اتوقع أنه بحلول عام 2027، قد تتجاوز احتياطيات الذهب المشتركة لدول بريكس حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية وهي نقطة تحول رمزية ستعلن رسمياً نهاية النظام المالي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.

محلل مالي واقتصادي

 


مواضيع قد تهمك