م. هاشم نايل المجالي : إعادة إعمار غزة أداة جديدة للهيمنة
النيوليبرالية
هي تيار اقتصادي وسياسي يؤمن بتقليص دور الدولة في الاقتصاد، ويعزز من
حرية السوق والخصخصة، ويقلل من القيود بهدف تعزيز الكفاءة والنمو عبر
المنافسة الحرة، رغم أنها تزيد من الفوارق الاجتماعية، حيث تخدم المصالح
الاقتصادية الكبرى على حساب الطبقات الأضعف، فهي تؤيد الرأسمالية المطلقة
وعدم تدخل الدولة في الاقتصاد، حيث يزيد دور القطاع الخاص حيث تكون
السيطرة، والبعض يعتبرها خطة لنشر الرأسمالية الأمريكية، فإذا نظرنا إلى
السياسات الاقتصادية والتمويل المشروط والمعونات التي تعمل على إعادة تشكيل
المجتمعات في غزة، حيث يبين تراكم الركام والدمار.
تنظر
أمريكا وشركاؤها إلى أين تتكدس الأرباح في غزة، فهناك السياسات التي تلبس
قناع الإعمار، والنيوليبرالية لا تعيد بناء غزة فحسب بل تعيد تعريف مفهوم
الحرب ذاته، فالحرب لم تعد تفهم فقط كحدث تدميري ينتهي بالسلام بل كعملية
مستمرة تتيح لدى البعض إعادة إنتاج رأس المال من خلال الدمار نفسه، حيث إن
الدمار هنا ليس نهاية بل بداية دورة اقتصادية جديدة، حيث تخلق الأرباح من
تحت الركام وعلى حجم الدمار.
أي
إن الحديث العالمي يدور حول (إعادة إعمار غزة) قبل أن يرفع الركام أو توارى
الجثث تحت التراب، لم تدخل المدينة بعد في طور البناء لكنها أدرجت سريعاً
في حسابات الاستثمارات والمساعدات في أشكال مختلفة بغية الانتعاش الاقتصادي.
حيث
ستبدو غزة في تصاعد الغبار فوق أنقاض الأبنية المنهارة لتحول مساحات
المعاناة إلى سوق مفتوح للمشاريع الدولية قبل أن تتحرك الجرافات لعملها،
حيث يتحرك رأس المال لغايات الاستثمار في كل شيء يدر مالاً.
حيث
إن منطق النيوليبرالية هو من سيحول الكارثة والدمار إلى فرصة، وتجعل من
الألم استثماراً ومن الدمار مادة أولية لإنتاج الربح، حيث تصاغ كافة أشكال
المأساة ضمن جداول مالية أكثر منها برامج إنسانية.
لقد
تم استدعاء لغة إعادة الإعمار بوصفها وعداً للنهضة، حيث التنمية المفروضة
ضمن السياسات في مرحلة ما بعد الحروب والنزاعات، وتتحول المساعدات
الإنسانية إلى أدوات لضبط المجتمع والتحكم به وإدارته وفق ضوابط مشروطة.
والمفارقة
التي يجب أخذها بعين الاعتبار أن إعادة إعمار غزة لا يمكن فصله عن سياق
الحصار والاحتلال المستمر، أي إنه سيقوم في ظل غياب فعلي لحرية الحركة
والسيادة الاقتصادية، حيث يتم تحويل السكان إلى مستهلكين في اقتصاد مراقب
ومتحكم به.
وأي دولة أو إدارة حكم
لن يكون دورها سوى ميسرة لهؤلاء المستثمرين الجدد الذين يريدون اقتحام كل
شيء بينهم من كافة أنواع الاستثمارات، حيث سيكون السكان بمثابة عبيد تحت
مظلة الرعاية.
فالمدينة التي محيت
سيتم إعادة هندستها وفق منطق السوق الاستثماري كشفاء للمعاناة، حيث يتم
توزيع الأدوار بين الفاعلين على الصعيد المحلي والدولي، مقاولين وشركات
عابرة للحدود يستفيدون من العقود التي ستبرم معها، وبنفس الوقت تقصى
المجتمعات المحلية عن تقدير مصيرها وتختزل مشاركتها في تلقي المساعدات أو
العمل في بعض المشاريع.
إن
النيوليبرالية لا تعيد بناء المدن فحسب بل تعيد تعريف مفهوم الحرب لتجعل من
الكارثة أسواقاً، وسيكون كل ذلك تحت الرقابة الإسرائيلية، وبهذا يتحول فعل
الإعمار من أفق للتحرر إلى آلية لإعادة إنتاج التبعية، إنه إنتاج منطق
السيطرة لكن بوسائل حديثة وجديدة وأوجه مختلفة، ويفسر الإعمار كرمز للأمل،
إنها عملية إعمار بلا عدالة، حيث يتم تشكيل الدولة أو الإدارة والمجتمع
والإنماء وفق منطق السوق الاستثماري.
إن
غزة ستبقى محاصرة مقطعة الأوصال للتمكن من التحكم بها والسيطرة عليها،
وسوف تراقب كافة المواد الأساسية الداخلة إليها، ويدار اقتصادها
واستثماراتها عبر بوابات أمنية لا يمكن فصله عن منظومة السيطرة ذاتها،
والمساعدات ستبقى مشروطة سياسياً، ويستخدم التمويل كأداة لتأديب المجتمع
وضبطه، وكل شحنة حديد أو إسمنت تدخل ستمر عبر قنوات تحددها القوى التي
دمرتها.
حيث بذلك يتحول الإعمار
إلى امتداد للحرب لكن بوسائل جديدة، حيث يدعون من دمروها أنهم سيحولون غزة
إلى منتجع سياحي جميل على شاطئ المتوسط، وتحويل المكان الذي شهد المجازر
إلى فضاء للتسلية، وإعادة تدوير الخراب إلى لغة الجمال والربح، ويصبح
المستقبل مشروطاً بالاستثمار لا بالعدالة، أي إنه سيتم تحويل المأساة إلى
لوحة جميلة تباع بالمزاد العلني.