حسن فهد ابو زيد : في الذكرى الـ58 لمعركة الشرف والبطولة.. الكرامة الخالدة
في
الحادي والعشرين من آذار من كل عام، يقف الأردنيون ومعهم أحرار الأمة وقفة
عز وفخر، يستذكرون فيها واحدة من أنصع صفحات المجد العسكري العربي، ذكرى
معركة الكرامة، التي شكلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ الصراع العربي مع
العدو الإسرائيلي.
ثمانية وخمسون
عاماً مضت على تلك المعركة الخالدة، التي سطرها نشامى الجيش العربي الأردني
بدمائهم الطاهرة، فكانت عنواناً للشرف والبطولة، ودليلاً حياً على أن
الإرادة الصلبة قادرة على كسر أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر". وقد جاءت هذه
الذكرى اليوم في ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة، تتبدل فيها موازين القوى،
وتُصنع فيها انتصارات وهمية إعلامياً، فيما تبقى الحقائق على الأرض هي
الفيصل في الحكم على نتائج الصراعات.
لقد
أعادت معركة الكرامة للأمة العربية ثقتها بنفسها، في وقت كانت فيه الجراح
لا تزال نازفة عقب حرب حزيران، فجاء النصر الأردني ليكسر حالة الإحباط،
ويؤكد أن الكرامة لا تُستعاد إلا بالفعل والتضحية. ففي تلك الساعات
القليلة، أثبت الجندي الأردني أنه صاحب عقيدة قتالية راسخة، وأن الدفاع عن
الأرض والعرض ليس خياراً بل واجباً مقدساً.
قاد
المعركة من الميدان القائد الأعلى للقوات المسلحة آنذاك، الملك الحسين بن
طلال، طيب الله ثراه، الذي جسّد نموذج القائد الميداني القريب من جنوده،
فرفض وقف إطلاق النار رغم تكرار طلبات العدو، إلى أن تحقق الهدف العسكري
وانسحب آخر جندي أردني من أرض المعركة مرفوع الرأس. وفي المقابل، اضطر
العدو الإسرائيلي إلى الانسحاب وهو يجر أذيال الخيبة والفشل، بعدما تكبد
خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، تاركاً خلفه دباباته وآلياته شاهداً على
هزيمته.
ولم تكن أهمية الكرامة
عسكرية فقط، بل حملت أبعاداً استراتيجية ومعنوية عميقة؛ إذ شكلت أول نصر
عربي حقيقي في مواجهة إسرائيل، وأعادت صياغة الوعي العربي تجاه مفهوم القوة
والقدرة على المواجهة. كما عززت مكانة الأردن إقليمياً، وأثبتت أن الجيش
العربي هو درع الوطن وسيفه، وأنه قادر على حماية الأرض وصون الكرامة مهما
بلغت التحديات.
لقد ارتقى في تلك
المعركة ما يزيد عن ستة وثمانين شهيداً، كتبوا بدمائهم الزكية ملحمة خالدة
في تاريخ الأردن والأمة، لتبقى الكرامة درساً متجدداً في التضحية والفداء،
ورسالة للأجيال بأن الأوطان تُصان بالثبات والوحدة والإيمان بعدالة القضية.
واليوم،
ونحن نستحضر هذه الذكرى، فإننا لا نستعيد الماضي فحسب، بل نستلهم منه
العبر والدروس، في وقت أحوج ما نكون فيه إلى التمسك بالثوابت الوطنية
وتعزيز الجبهة الداخلية، لمواجهة التحديات الراهنة بثقة واقتدار. فالكرامة
لم تكن مجرد معركة، بل كانت وما زالت نهجاً وطنياً وعربياً يؤكد أن الحق لا
يُهزم ما دام وراءه رجال يؤمنون به ويدافعون عنه.
ــ الدستور