بشار جرار : حجارة الوادي في أكناف بيت المقدس
مرت
"القضية" بصنويها الروحي والسياسي (القدس والدولة)، مرت بأزمات وحروب ما
كادت الشعوب التي تأثرت بها على مدى قرن ونيف لتلتقط أنفاسها، حتى دخلت في
دوامة من المواجهات الجديدة.
دوامات
شريرة مفرغة، لن تنتهي ما لم تحسم المواجهة الحقيقية مع الذات، قبل الآخر.
قبل معرفة الحق، وأهله، وطرقه، وغاياته. الحق العصي على الباطل، العصي على
سائر أباطيل الأشرار، بأي لبوس ظهروا أو تخفوا.
القدس
الحبيبة، "قدس الأقداس".. والروح التي ما زالت تصبو إليها، بشرقها وغربها،
بأحيائها العتيقة والجديدة، الروح لا تزال معلقة بها، ترنو إليها مع كل
طالع نَفَس. القدس لنا جميعا، ولكل من آمن برب الأرباب خالق الأكوان سبحانه
رب العالمين.
القدس الحبيبة
تعنينا كلنا، ليس أحفاد سيدنا إبراهيم، وأنبياء الله إسماعيل وإسحق فقط، بل
هي في صميم وجدان كل من آمن بالمحبة والسلام، وقيمة وجوهر التآخي الإنساني
وليس فقط العيش المشترك أو التعايش بين أديان أو مذاهب أو طوائف أو أعراق
أو هويات داخل الدولة أو عابرة للحدود. "إنما المؤمنون إخوة"، جميع
المؤمنين، مسلمين ومسيحيين ويهود. كلنا نعيش روحيا وأخلاقيا في أكناف بيت
المقدس، وجوار تلك الأراضي المقدسة روحيا، في أي مكان كنا إلى حين جسديا.
والدولة
أيضا لها من القداسة والمكانة ما هي في جوار القداسة الروحية. فالدول
والأوطان تبذل في سبيل عزتها وسيادتها وصون حرماتها الغالي والنفيس. وبذلك
لا يجوز بأي حال من الأحوال، أن يؤتمن على مكانتها وأحوالها من ليس بأهل في
حمل تلك الأمانة الجليلة.
ليس
هذا مقام الخوض في مقولات "هرمنا" على سماعها، كمن قالوا إن هذه الحرب أو
تلك ما هي إلا عبور لنفق، قالوا إن الضوء كامن خلفه! حتى انحدر الحال، حال
الاقتتال والتناحر والسفسطة والعبثية بالجميع، إلى القبوع في الأنفاق
والسراديب صارت اسما لحروب لا تنتهي.
وما
هو أيضا بمقال للخوض بأولئك الذين قالوا إن الدولة على مرمى حجر! وما كان
فيها البعض مدماك بناء، بل معول هدم. لا أعني بصدق بذلك أحدا، فمن قالوا
وما فعلوا، أو قالوا وتسببوا بالكوارث في أفعالهم وحتى أقوالهم، كثر. ولا
نقول في هذه الأيام الفضيلة سوى لهم ولنا وعلينا من الله ما لا يخفى على
العليم الحكيم سبحانه. التاريخ سينصف من كانوا صادقين وليسوا من أولئك
الذين "يقولون ما لا يفعلون" أو يفسدون في الأرض ويظنون أنفسهم من المصلحين!
وما
هذا أيضا بوقت حساب من ألقى كل مرة -في المعدل كل عشر سنين- حجرا في بئر
تتطلب مئة عاقل لانتشاله! ولا هو الوقت الملائم لتقسيم المسؤوليات عن حماية
وصون مقدساتنا العقائدية، قبل المكانية والزمانية، لكن من حقنا إن كنا من
الذين زرعهم الله في هذه الأراضي المقدسة، غربا وشرقا، شمالا وجنوبا، إن
كنا من "حجارة الوادي" ألا نهاب سيلا مهما علا ولا جفافا مهما قلا واعتدى
وافترى..
كما علمنا الأجداد وحدها
"حجارة الوادي" التي تبقى. أما تلك المزاعم الكذّابة الخدّاعة، تلك
المقذوفات الصوتية أو الانشطارية العمياء، أو التي تمت تعميتها ببعض نقرات
في الحرب الإلكترونية، والتي ما عرف منها حتى عالم الإحداثيات المعروف
اختصارا بال "الجي بي إس"!
لم تكن
عابرة تلك الشظية التي كانت في جوار كنيسة القيامة في قدسنا الحبيبة. لم
تمض أيام حتى تكرر المشهد الصادم، عندما أفلت صاروخ هذه المرة "باليستي"
بكل حمولته التفجيرية على بعد أمتار من قبة الصخرة المشرفة، إلى يسارها
كمشاهد، بمعنى إلى يمينها على أرض الواقع. سقط أو أسقِط -حتى لا نأخذ لا
قدر الله بنظرية المؤامرة فنقول تم غض الطرف عن السماح له بالسقوط الحر أو
المبرمج- سقط وانفجر في أكناف بيت المقدس حرفيا، بمعنى على بعد أقدام من
أسوار الأقصى المبارك، ودرب الآلام السيد المسيح، وكنيسة القيامة العظيمة
المجيدة. سقط وانفجر على الهواء مباشرة في وضح النهار، في خاتمة رمضان
الفضيل، صبيحة أول أيام عيد الفطر السعيد.
لم
يتحدث من قيل إنه ورث منصب "الولي الفقيه"، المرشد الأعلى الثالث لما تم
إعلانها "الجمهورية الإسلامية في إيران" قبل سبعة وأربعين عاما، لم يتحدث
عن هذه السابقة الخطرة، بل تحدث عن "هزيمة العدو" في رسالته الثانية بعد
تصفية المرشد الثاني علي خامنئي، تحدث الجمعة عن عيد "الأمة الإيرانية" أو
الفارسية برأس السنة الجديدة وعيد النيروز التي تحتفل به سنويا كذلك الأمة
الكوردية، في الوطن والمهجر والشتات.
تداعى
العالم كله ومازال، لتأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز وقد تصل الترتيبات
لتأمين "باب المندب" أيضا بعد عنتريات الحوثي الأخيرة. لكن رب ضارة نافعة
أو كاشفة، لتظهر مدى مركزية القدس والدولة الفلسطينية العتيدة المرتقبة في
"تشخيص" نظام إيران لمصالحهم الحقيقية!
هل
كان من الصعب على "الولي الفقيه" تجنيب القدس من الاستهداف وقد استُهدفت
من قبل مكة المكرمة عبر صواريخ ومسيرات ميلشيات الحوثي اليمنية؟ هل كان من
المستعصي على الفهم والاستيعاب، حرمة اختلاط تكبيرات العيد بصافرات الإنذار
من مسيرات وصواريخ، استهدفت الأردن والإمارات والبحرين والكويت والسعودية
وقطر، أكثر مما استهدفت إسرائيل بما نسبته ثمانية أضعاف..
لا
عذر أبدا، لمن أعان عدوه على بلاده. لا عذر ولا شيء سوى العار لمن أعمت
الدعاية ومال السحت والمصالح، بصيرته عن رؤية الحق حقا واتّباعه.. الصورة
واضحة لمن أراد أن يرى حقيقة ما يجري على الأقل فيما يخص القدس والدولة..