حسام عايش : استدامة الضمان.. تعديلات غائبة
تعتمد
مصادر إيرادات الضمان الاجتماعي بشكل رئيس على اشتراكات العاملين وأصحاب
العمل، وعوائد استثمار صندوق استثمار الضمان، والغرامات والمتأخرات. ومن
الواضح أن هذه المصادر وبحسب نتائج الدراسة الاكتوارية الأخيرة لن تكون
قادرة على الوفاء بالتزامات الضمان إزاء المنتفعين.
لذلك،
وبناءً على نتائج تلك الدراسة الاكتوارية، طرحت الحكومة جملة تعديلات على
قانون الضمان بما يؤجل إلى أمد أبعد إمكانية تساوي الإيرادات مع النفقات،
أو إسالة أصول صندوق الاستثمار، على قاعدة استدامة الضمان الاجتماعي.
لكن
من الواضح ونحن في طريقنا لتحقيق هذه الغاية النبيلة، أننا نتعامل مع
الضمان وكأنه سيظل في المستقبل كما في الماضي، أي سيظل يعمل بالوتيرة ذاتها
التي تحكمها أدبيات ونظريات وسياسات القرن العشرين.
أيضًا
ونحن في طريقنا لتحقيق الغاية النبيلة نفسها، اعتبرنا أن سوق العمل سيظل
محكومًا بالقواعد نفسها التي حكمته قبل الثورة الصناعية الرابعة، بما انطوت
عليه من أتمتة ورقمنة وذكاء اصطناعي، حيث نظرية العمل ستظل نفسها، وأشكال
العمل ذاتها، فيما كل ذلك يتغير جذريًا ليس فقط على صعيد الأداء، أو زوال
وظائف واستحداث غيرها، بل الأعمال المستحدثة نفسها، ما يستدعي سوق عمل
تفاعليًا ليظل العاملون فيه قادرين على الاستمرار.
الإشكالية
الأساسية هنا، كيف نزيد إيرادات الضمان الاجتماعي بما يتضمن استدامته
وقدرته على خدمة الأجيال، وهي استدامة تتعلق بالموازنة بين الكفاءة -أي
الإدارة الرشيدة المتوازنة والقادرة على الابتكار والتجديد في إدارة الضمان
شكلًا؛ وفي إدارة مصادر تدفقات مالية مضمونًا- والكفاية – أي اعتماد حسبة
تقاعدية تكون محسوبة وفق بدل استبدال موضوعي قائم على ركن العيش اللائق،
والراتب المناسب -
التعديلات
وبما أنها -من وجهة نظر الحكومة- تحاول تحقيق هذا التوازن الصعب، إلا أن
الأهم يظل الراتب الذي سيحصل عليه المتقاعد الذي يحتاج لـ30 سنة للتقاعد
مبكرًا عند سن 55 عامًا تقريبًا، و20 سنة للتقاعد متأخرًا، أي عند سن أكثر
من 60 عامًا، مع إعادة ضبط المعادلة التقاعدية للمبكر وللمتأخر.
الإشكالية،
أن التعديلات المقترحة مبنية على أن مصادر إيرادات الضمان ستظل هي نفسها،
لكن ماذا لو كان لدينا نموذج تمويلي ثلاثي: الأول، من الاشتراكات التأمينية
وتمثل الأساس التقليدي للنظام. الثاني، العوائد الاستثمارية من استثمار
أموال صندوق الاستثمار. الثالث، من مساهمة حكومية منظمة، نعم مساهمة
حكومية، تعكس دور الدولة في تمويل الحماية الاجتماعية باعتبارها خدمة عامة
لجميع المواطنين.
تدور
المداولات الآن حول 500 مليون دينار إضافية ضرورية للضمان للاستمرار بدوره،
وهي أموال ليس من السهولة الحصول عليها، فلماذا لا تكون الحكومة مصدرها
دون أن تتحمل عجزًا أو كلفًا إضافية.
إذ
يوجد نفقات تقدر بنحو 1.8 مليار دينار للمؤسسات المستقلة -التي جهد معظمنا
بالدعوة إلى هيكلة أو إلغاء أو دمج معظمها وبالحد الأدنى 50% منها- ويمكن
خفض تلك النفقات لتكون بحدود 1.3 مليار دينار عبر هيكلة / إلغاء عدد منها
وهو إجراء سيوفر 500 مليون دينار سنويًا يمكن أن توجه للضمان الاجتماعي بدل
أن توجه لضمان استمرار مؤسسات يستفيد من خدماتها عدد محدود.
أي
تحويل نحو 27% من تلك النفقات للضمان الاجتماعي كتمويل باسم الشعب الأردني
بأكمله، وعلى قاعدة أن الحكومة تتحمل مسؤولية دعم شبكات الأمان سيكون
كفيلًا باستدامة هذا الضمان ونقله من مضمون اكتواري سلبي إلى مضمون إيجابي.
في
الاقتصاد الحديث لا ينظر لأنظمة الضمان الاجتماعي باعتبارها صناديق
تأمينية فقط، بل باعتبارها مؤسسات استقرار اقتصادي واجتماعي ومعيشي. وعندما
يحصل المتقاعد على دخل لائق فإنه يستمر في الاستهلاك، وفي الإنتاج أيضًا
–فالإنفاق على تعليم أبنائه جيدًا هو إنفاق إنتاجي– وهو ما يدعم الطلب
الكلي في الاقتصاد ويخفف من تقلبات الدورة الاقتصادية.
لذلك
فإن دعم الدولة للضمان الاجتماعي، لا يعد إنفاقًا استهلاكيًا بل استثمارًا
في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي يعود ريعه لصالح الوطن والمواطن في
نهاية المطاف. ــ الدستور