م. هاشم نايل المجالي : عصر الفوضى الأخلاقية
عبر
التاريخ الإنساني لا يستطيع أحد أن يتحدث عن أية إيجابيات للحروب وما لها
من آثار سلبية، سواء كانت هذه الحروب مشروعة أو غير مشروعة، لأن تداعياتها
المدمرة لا تشمل ما تحققه من مصالح ذاتية ومكتسبات مادية ومن زهق للأرواح
وتشريد شعوب، بل لأنها أيضاً تمس كافة مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية
وغيرها، حتى إنها وصلت في الآونة الأخيرة تمس وتهدد الحياة بالكامل لتعدد
وتنوع الأسلحة الفتاكة والمدمرة بشتى أنواعها، حيث التصنيع المبتكر والمدمر
والشامل لمختلف أنواع الصواريخ والطائرات والبوارج وحاملات الطائرات
وغيرها، حتى وصلت لاستغلال واستثمار كافة أشكال الطيور والحيوانات بالقتال.
وترسخ
إضافة إلى ذلك التصادم والداء اللذين تمتد آثارهما لأعوام طويلة، خاصة
حروب صراع الأديان والحروب الاحتلالية المباشرة وغير المباشرة التوسعية أو
استغلال الموارد بشتى أنواعها التي تمتلكها الدول الضعيفة، والتي جميعها
تتبع استراتيجيات وسياسات وأساليب وعناوين ظاهرها شيء وباطنها شيء آخر،
ومنها أكذوبة حماية الأمن القومي أو محاربة الإرهاب أو حماية الشعوب من
القمع والإرهاب، وإلى ما لا نهاية من الحجج والذرائع، ليتضح للجميع صورة
الواقع المزري الذي تعيشه الشعوب على هذا الكوكب، فلم يعد هناك من يعيش
بأمن واستقرار وطمأنينة.
إضافة
إلى تدمير البنى التحتية لتلك الدول ولهذه الشعوب، حتى وصل الأمر لقطع
المياه والطاقة والغذاء وفرض حصارات على تلك الدول وعقوبات وفرض إجراء
تغييرات ديمغرافية قاتلة، لتسمى كل أشكال هذا الواقع (بالفوضى الأخلاقية)،
مع غياب كافة أنواع الحلول الآمنة لا على المدى القريب ولا على المدى
البعيد، فالأزمات تتوالى بلمح البصر بين ليلة وضحاها رغم كل أشكال التطور
والحضارة العالمية في كافة المجالات، حتى بتنا نعيش في عصر يسمى (بعصر
الانحطاط).
كل هذا الانحطاط
الأخلاقي والجميع أصيب بالصم والبكم والعمى، كيف لا وقد أضحى مقياس العظمة
بالنسبة للدول هو مقدار وحجم ما تمتلكه من ترسانات الأسلحة الفتاكة بالقتل
والدمار واستغلال الشعوب، حيث نجد أن كافة الخطابات أصبحت تتمحور حول كافة
أشكال الحروب.
الكل سيدخل النفق
المظلم الذي لا أحد يعرف ويعلم عقباه ونتائجه الخطيرة ولا بوادر لأي نور
فيه، ولم يعد للدول الصغيرة والضعيفة إلا أن تكون شريكة بشكل أو بآخر مع
الدول العظمى لتحمي نفسها من كافة أشكال الشرور، فالعالم يتجه نحو عالم
الجنون.
حيث لجأت فيها القوى
المتصارعة إلى كل أدوات الضغط والتهديد بكافة أنواع الأسلحة المدمرة
للحياة، حتى أصبحت مسألة الغذاء من أكبر الضغوطات على الشعوب، حيث الأزمات
الغذائية الأكثر عمقاً وخطورة، كذلك حرب المياه، والآن نشهد حرب الطاقة
والصراع على مصادرها.
وسيرتفع مع
ذلك كافة الأسعار لهذه المصادر والمواد مع توقف شبه تام للإمدادات
تدريجياً، وكثير من الدول المصدرة سوف تحجب عن التصدير لتوفير كميات كبيرة
من الحبوب لشعوبها، كذلك النفط الذي تتهافت وتتقاتل عليه الدول العظمى،
والمياه أصبحت ورقة ضغط على كثير من الدول.
لهذه
الأسباب يمكن القول إن منطقة الشرق الأوسط ستكون وجهاً لوجه أمام العديد
من الكوارث الغذائية والمياه والطاقة إن لم تتخذ تدابير ناجعة لذلك، وهو
أمر يحتاج إلى دراسة استراتيجية لسياسات فعلية وعملية للتصدي لذلك، خاصة
وأن كثيراً من الدول حالياً تعاني الأمرين من كافة أشكال الأزمات.