الأخبار

فراس النعسان : اقتصاد المنطقة تحت النار

فراس النعسان :  اقتصاد المنطقة تحت النار
أخبارنا :  

قبل نشوب الحرب الأخيرة ضد إيران، كنت أظن أن الحروب في منطقتنا تُقاس بسقوط الصواريخ وعدد الضحايا، وأن الحدود بين الأعداء والصديق واضحة، وأن المدن تتألم قبل الاقتصاد. لكن ما قرأته مؤخراً، وما لفت نظري إليه صديق يعمل في القطاع الاقتصادي، جعلني أعيد النظر: اليوم، البنوك والمطارات، والمواني، والمراكز الاقتصادية صارت ساحة قتال، وهدير الحرب لم يعد يكتفي بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بل دخل إلى خزائن الناس وحياتهم اليومية.

التهديد الإيراني الأخير بضرب بُنى الاقتصاد والمراكز المالية في المنطقة يعد تغييراً جذرياً لقواعد اللعبة. الدول يمكنها امتصاص الصدمة العسكرية، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما يصبح اقتصادها هدفاً مباشراً. الاقتصاد قائم على الثقة، وأي اهتزاز في هذه الثقة يعني اهتزاز حياة الناس نفسها. حين تتراجع الثقة، لا تنهار الأسواق فحسب، بل يتزعزع الأمن الاجتماعي والسياسي الذي قامت عليه الدولة.

الخليج، على وجه الخصوص، يعرف هذا الدرس جيداً. مطاراته المزدحمة، موانئه النشطة، مراكز المال العالمية فيه، ليست مجرد بنى تحتية، بل ضمانة لاستمرار الحياة ضمن منطقة مضطربة. استهداف هذه العقد الحيوية ليس فقط تهديداً اقتصادياً، بل محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى من الداخل.

لكن الرد، على الرغم من خطورته، يبدو حتى الآن متحفظاً. الحكومات تدرك أن المواجهة المباشرة قد تتحول إلى حرب واسعة، وأن الانزلاق إلى صراع شامل سيضرب الجميع، حتى أولئك الذين يظنون أنفسهم بعيدين عن خط النار. لذلك، بينما يظهر الهدوء على السطح، تجري في الخلفية تعزيزات دفاعية، وتنسيق أمني دقيق، وتحصين للبنية التحتية، وكلها تدابير تقول إن المنطقة لن تظل ساكنة، لكنها تحاول كسب الوقت لتجنب الكارثة.

المفارقة المريرة أن الحروب التي تستهدف الثقة الاقتصادية أعمق وأخطر، لأنها لا تعلن عن نفسها، ولا تنتهي باتفاق، بل تستنزف حياة الناس وحياتهم اليومية بصمت. وما يحدث اليوم يذكّرنا بأن صراعاً بهذا النوع لا يُقاس بالصواريخ وحدها، بل بمدى تأثيره على شعور الناس بالأمان، وعلى قدرتهم على الصمود أمام المستقبل.

في نهاية المطاف، عندما يصبح الاقتصاد أهدافاً، ندرك أن الحرب لم تعد مجرد نزاع بين دول أو جيوش، بل اختباراً لروح المنطقة نفسها، ولقدرتها على البقاء في مواجهة من يريد تحويل حياتها إلى رهينة الخوف والارتهان المالي.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك