د. محمد رسول الطراونة : الجمعية الملكية للتوعية الصحية في عيدها العشرين
تحتفي الجمعية الملكية للتوعية الصحية بمرور عشرين عاماً على تأسيسها، مسجلةً مسيرة حافلة بالإنجازات في مجال تعزيز الصحة العامة والوقاية من الأمراض.فمنذ نشأتها عام 2006، وضعت الجمعية نصب أعينها هدفاً سامياً"حياة معافاة لكل إنسان في مجتمعنا"، وهو ما تحول على مدى عقدين من الزمن إلى قصص نجاح ملموسة على أرض الواقع.
تقف خلف هذا الصرح الإنساني الكبير جلالة الملكة رانيا العبدالله، التي لم تكن فقط رئيسة لمجلس أمناء الجمعية، بل صاحبة الفكرة والمبادرة، وراعية المسيرة على مدى عشرين عاماً. برؤيتها الثاقبة وإيمانها العميق بأن الصحة حق أساسي لكل إنسان، وضعت جلالتها اللبنات الأولى لهذا الكيان الذي تحول اليوم إلى نموذج وطني وإقليمي يحتذى به في العمل الصحي المجتمعي.
قد تكون شهادتي مجروحه بحق الجمعية كوني أحد أعضاء مجلس الامناء لكن الحق يقال : فقد استطاعت الجمعية خلال رحلتها أن تبني شراكات واسعة وتنفذ برامج طموحة وصلت إلى أبعد نقطة في المملكة. فقد نجحت في الوصول إلى 4200 مدرسة عبر برنامج المدارس الصحية، وافتتحت 190 عيادة مجتمعية صحيةكما أسهمت في توفير12 مليون وجبة صحية في عدة محافظات. وراء كل رقم في تقارير الجمعية قصة إنسانية تستحق أن تروى، هناك قصص أطفال في مدارس نائية كانوا يبدأون يومهم بوجبة غير صحية أو لا يجدون طعاماً أصلاً، واليوم يمسكون بأيديهم وجبة متوازنة تمنحهم الطاقة للتعلم والحلم بمستقبل أفضل.
ما يميز الجمعية ليس فقط برامجها، بل القلوب الكبيرة التي تديرها،فريق العمل في الجمعية، من إداريين وميدانيين ومتطوعين، يؤمنون أن وظيفتهم رسالة قبل أن تكون مهنة،تجدهم في القرى النائية حيث لا تصل الخدمات بسهولة، وفي المخيمات حيث البسمة أغلى ما يمكن تقديمه، وفي المدارس حيث الوعي يزرع ليجني ثماره جيل كامل، في عياداتها المجتمعية المنتشرة في المراكز الصحية في المحافظات، تتكرر المشاهد الإنسانية: أم تزور العيادة لأول مرة ، فتجد الرعاية والاهتمام والابتسامة، طفل مصاب بالسكري من النوع الأول يجد في السجل الوطني الجديد أملاً في متابعة دقيقة تنقذه من مضاعفات المرض، مسن يكتشف أن صحته النفسية مهمة، فيجد من يستمع إليه ويدعمه ضمن برامج الصحة النفسية المدرسية والمجتمعية. آلاف المتطوعين هم عصب العمل الإنساني في الجمعية، شباب وفتيات يمنحون وقتهم وجهدهم بلا مقابل، يزرعون الابتسامة في وجوه الأطفال، يمسحون دمعة أم، مؤمنين أن العطاء الحقيقي هو ما يغير حياة الآخرين.
ما يميز عمل الجمعية هو قياس الأثر الحقيقي لبرامجها. فقد أظهرت النتائج أن 78%من المستفيدين حسّنوا معرفتهم الصحية، وهذه النسبة تعني آلاف العائلات التي باتت تختار طعامها بعناية، وتتابع صحة أطفالها بشكل أفضل، وتتعرف إلى علامات الخطر المبكرة للأمراض، ونسبة مماثلةزادت مشاركتهم في أنشطة تعزيز الصحة النفسية، أي آلاف الشباب الذين تعلموا كيف يواجهون ضغوط الحياة، وآباء اكتشفوا أهمية الاستماع لأبنائهم، ومعلمين أصبحوا قادرين على دعم طلابهم نفسياً، أحد متطوعي الجمعية، وهو طالب جامعي ، يقول: "التطوع في الجمعية غير حياتي، تعلمت معنى العطاء الحقيقي أشعر أنني أفعل شيئاً مهماً بحق". أما العاملون في الجمعية فقد حملوا صوت الأردن الإنساني إلى العالم، في كل محفل، قدموا تجربة الأردن كنموذج يحتذى في التعامل مع الأزمات الصحية والإنسانية، مؤكدين أن العمل الإنساني لا يعرف حدوداً.
ما يجعل الجمعية نموذجاً فريداً هو قدرتها على الجمع بين الحوكمة الرصينة والعمل الإنساني العميق، فبينما تطبق أنظمة إلكترونية متطورة حولت جميع معاملاتها إلى نظام رقمي متكامل يربط المالية والمشتريات والمخزون، مع تعزيز الرقابة الداخلية وفصل الصلاحيات، تبقى عينها على الإنسان. هذا المزيج النادر بين الكفاءة المؤسسية والدفء الإنساني هو ما يجعل الجمعية الملكية للتوعية الصحية نموذجاً يُحتذى به عربياً وإقليمياً، نموذج يثبت أن العمل المؤسسي الناجح لا يعني الجمود والبيروقراطية، بل يمكن أن يكون منصة لانطلاق أعظم المبادرات الإنسانية.
بعد عشرين عاماً من العطاء، تقف الجمعية الملكية للتوعية الصحية اليوم على أعتاب مرحلة جديدة بشراكات راسخة، وخبرات متراكمة، تبقى الرؤية كما هي: مجتمع معافى، والرسالة أكثر إصراراً: أن تكون الجمعية رائد الرعاية الوقائية، عبر تصميم نماذج صحية تلهم المجتمعات لتبني سلوكيات صحية مستدامة.
في عيدها العشرين، نرفع التحية إلى جلالة الملكة رانيا العبدالله، صاحبة الفكرة والراعية الأولى، التي آمنت بأن الاستثمار في صحة الإنسان هو استثمار في مستقبل الأردن، وإلى كل من ساهم ويساهم في دعم نشاطات الجمعية: للمؤسسين الذين زرعوا الفكرة، وللقادة الذين حملوا الراية، وللعاملين الذين يبذلون الغالي والنفيس، وللمتطوعين الذين يمنحون بلا مقابل، وللشركاء الذين آمنوا بالرسالة.
عشرون عاماً مضت، وآلاف القصص الإنسانية كتبت، وملايين القلوب لمستها أيادي الجمعية البيضاء. تبقى الرؤية كما هي: "حياة معافاة لكل إنسان في مجتمعنا"، ويبقى العاملون فيها الأبطال الحقيقيين الذين يحولون هذه الرؤية إلى واقع حي كل يوم.
أمين عام المجلس الصحي العالي السابق
ــ الراي