د. رائد قاقيش : شرق أوسط جديد
يبدو أن الشرق الأوسط يدخل اليوم مرحلة جديدة من الصراع، مع اندلاع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وهي مواجهة لا تقتصر آثارها على ساحات القتال فحسب، بل تمتد تداعياتها إلى مجمل التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة. وهي تطورات تتابعها دول المنطقة، وفي مقدمتها الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، بقدر كبير من الحذر نظراً لما قد تحمله من تداعيات على الاستقرار الإقليمي.
لكن لفهم ما يحدث اليوم لا يكفي النظر إلى الأحداث الأخيرة فقط، فهذه الحرب ليست وليدة أسبوع أو شهر، بل هي نتيجة مسار طويل من التوتر والصراع بين واشنطن وطهران يمتد لعقود طويلة، وهو مسار ظل الأردن يتعامل معه تاريخياً ضمن رؤية سياسية تقوم على التوازن والدعوة إلى الحلول السياسية في منطقة تعيش أزمات متلاحقة.
يعود جزء مهم من جذور هذا الصراع إلى عام 1953 عندما ساهمت الولايات المتحدة وبريطانيا في الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق بعد قراره تأميم النفط الإيراني. وقد أعاد ذلك الانقلاب السلطة إلى الشاه محمد رضا بهلوي الذي ظل حليفاً استراتيجياً لواشنطن حتى قيام الثورة الإيرانية عام 1979.
مع قيام الثورة الإسلامية بقيادة آية الله الخميني انقلبت العلاقة بين البلدين رأساً على عقب، فتحولت إيران من حليف للولايات المتحدة إلى خصم استراتيجي لها في المنطقة، وتكرس هذا التحول مع أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية في طهران بين عامي 1979 و1981.
ومنذ ذلك الوقت دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة طويلة من التوتر والصراع غير المباشر، تجلت في الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، ثم في سلسلة من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران خلال العقود التالية.
ومع بداية الألفية الجديدة أصبح الملف النووي الإيراني محوراً أساسياً في هذا الصراع. ففي عام 2002 تم الكشف عن منشآت نووية إيرانية غير معلنة، الأمر الذي أثار مخاوف دولية من احتمال سعي إيران إلى تطوير سلاح نووي.
وقد قاد ذلك إلى سنوات طويلة من المفاوضات والضغوط الدولية انتهت بتوقيع الاتفاق النووي عام 2015 بين إيران والقوى الكبرى، والذي عرف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). ونص الاتفاق على تقليص البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
غير أن هذا الاتفاق لم يستمر طويلاً، ففي عام 2018 انسحبت الولايات المتحدة منه وأعادت فرض سياسة "الضغط الأقصى" على إيران، ما أدى إلى تصاعد التوتر بين الطرفين وعودة إيران إلى توسيع برنامجها النووي.
وخلال السنوات التالية تطورت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل بشكل غير مباشر عبر ساحات مختلفة في الشرق الأوسط، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، كما اتُهمت إيران بدعم عدد من القوى المسلحة في المنطقة، وهو ما اعتبرته واشنطن وتل أبيب تهديداً مباشراً للتوازن الإقليمي.
وفي الوقت نفسه شهدت المنطقة سلسلة من الأحداث التي زادت من تعقيد المشهد، من بينها اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني عام 2020، والهجمات المتبادلة عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى التوترات المتصاعدة في الخليج العربي ومضيق هرمز.
وفي السنوات الأخيرة أخذت المواجهة بين إسرائيل وإيران طابعاً أكثر مباشرة، حيث شهد عام 2024 أول تبادل مباشر للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة بين البلدين بعد سنوات من الصراع غير المباشر.
أما في عام 2025 فقد وصلت الأزمة إلى مرحلة أكثر خطورة عندما نفذت الولايات المتحدة ضربات مباشرة ضد مواقع نووية إيرانية، في سابقة هي الأولى من نوعها، حيث استهدفت تلك الضربات منشآت رئيسية في فوردو ونطنز وأصفهان باستخدام قاذفات استراتيجية وصواريخ بعيدة المدى.
واليوم، ومع اندلاع المواجهة العسكرية الحالية، يجد المتابع نفسه أمام سيل هائل من المعلومات والتصريحات المتناقضة. فالرواية الإسرائيلية تشير إلى نجاحها في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير، بينما تؤكد طهران أن ما حدث حتى الآن لا يمثل سوى بداية المواجهة، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الحرب وما إذا كانت تمثل ذروة الصراع أم مجرد مرحلة أولى منه.
هذه التساؤلات تعكس في الحقيقة طبيعة الحروب الحديثة نفسها، فالحروب في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُدار دائماً عبر المواجهات العسكرية التقليدية بين الجيوش، بل أصبحت تعتمد على مزيج معقد من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية والحرب الإعلامية.
كما أن لهذه الحرب أبعاداً إقليمية واسعة، فإغلاق مضيق هرمز أو استهداف القواعد العسكرية في الخليج يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على أمن الطاقة العالمي وعلى الاستقرار الاقتصادي في المنطقة، وهو ما يفسر حجم القلق الإقليمي من اتساع دائرة الصراع.
وفي هذا السياق يواصل الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، تأكيد موقفه الداعي إلى تجنب التصعيد والعمل على إيجاد حلول سياسية تحفظ استقرار المنطقة، في ظل إدراك عميق لحساسية موقع الأردن في قلب هذه الجغرافيا المضطربة.
إن ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط قد يبدو للوهلة الأولى مجرد مواجهة عسكرية جديدة، لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن ما يجري قد يكون مؤشراً على مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، مرحلة يعاد فيها تشكيل ميزان القوى الإقليمي والدولي.
ولهذا فإن المشهد الحالي، رغم وضوح بعض ملامحه العسكرية، ما زال يحمل قدراً كبيراً من الغموض. فالأحداث تتسارع، والروايات تتضارب، والنتائج ما زالت مفتوحة على احتمالات متعددة. وربما لهذا السبب يشعر كثير من المتابعين بأن الصورة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في حقيقتها أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى.