النائب فراس قبلان : الهند بين العرب و”إسرائيل”: تحالف المصالح أم ازدواجية التوازن؟
في عالمٍ لم تعد فيه التحالفات تُبنى على الشعارات بقدر ما تُبنى على المصالح الصلبة، يبرز التقارب الهندي-الإسرائيلي بوصفه أحد أبرز التحولات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة. لم تعد العلاقة بين نيودلهي وتل أبيب مجرد اتصال دبلوماسي تقليدي، بل تطورت إلى شراكة استراتيجية تتقاطع فيها المصالح الأمنية والتكنولوجية والعسكرية، في مشهد يعكس طبيعة النظام الدولي الجديد: لا أصدقاء دائمون… بل مصالح دائمة.
الهند، التي عُرفت تاريخيًا بدعمها للقضايا العربية ووقوفها ضد تقسيم فلسطين عام 1947، أعادت صياغة أولوياتها منذ تسعينيات القرن الماضي. فمنذ إقامة العلاقات الكاملة مع "إسرائيل” عام 1992، بدأت العلاقة تنمو بهدوء، قبل أن تتحول إلى تعاون عميق في مجالات حساسة، أبرزها الأمن والتكنولوجيا والصناعات العسكرية.
اليوم، تُعد الهند أكبر مشترٍ للسلاح الإسرائيلي، فيما أصبحت "إسرائيل” أحد أهم شركائها في مجالات الدفاع السيبراني، والطائرات المسيرة، وأنظمة الدفاع الجوي، وإدارة المياه والزراعة المتقدمة. لم يعد التعاون مجرد صفقات سلاح، بل امتد إلى تطوير مشترك لمنظومات دفاعية وتقنيات أمنية متقدمة، ما يعكس مستوىً متقدمًا من الثقة الاستراتيجية بين الطرفين.
هذا التقارب لا ينطلق من فراغ. فالهند ترى في "إسرائيل” مصدرًا للتكنولوجيا الأمنية المتقدمة التي تحتاجها في بيئة إقليمية مضطربة، خصوصًا في ظل تحدياتها الداخلية والخارجية. وفي المقابل، ترى "إسرائيل” في الهند سوقًا ضخمة وشريكًا صاعدًا في آسيا يمكنه أن يوازن اعتمادها التقليدي على الغرب.
لكن المفارقة الكبرى تكمن خارج هذه الثنائية.
فالهند ليست مرتبطة اقتصاديًا بـ”إسرائيل” بقدر ارتباطها بالعالم العربي. تشير الأرقام إلى أن أكثر من 10 ملايين هندي يعيشون في الدول العربية، منهم نحو 9 ملايين في دول الخليج وحدها. وتبلغ تحويلاتهم السنوية إلى بلادهم قرابة 60 مليار دولار، وهو رقم يمثل شريانًا اقتصاديًا حيويًا للاقتصاد الهندي.
في المقابل، لا يتجاوز عدد الهنود في "إسرائيل” نحو 97 ألفًا فقط.
أما حجم التبادل التجاري بين الهند والدول العربية فيصل إلى نحو 215 مليار دولار سنويًا، وهو رقم يفوق بكثير حجم تجارتها مع "إسرائيل”.
هذه المعادلة الرقمية تكشف حقيقة واضحة:
مصلحة الهند الاقتصادية الكبرى ما زالت مرتبطة بالعالم العربي، لا بتل أبيب.
ومع ذلك، تواصل نيودلهي تعميق شراكتها الأمنية والعسكرية مع "إسرائيل”، في إطار ما تسميه سياستها الخارجية بـ”الاستقلال الاستراتيجي”، أي القدرة على التحرك بين المحاور دون الارتهان لأي منها.
الهند لا تريد أن تختار بين العرب و”إسرائيل”، بل تسعى إلى الاستفادة من الطرفين:
• من العرب: الطاقة، الأسواق، والتحويلات المالية
• ومن "إسرائيل”: التكنولوجيا والأمن والابتكار
إنها سياسة توازن دقيقة، لكنها ليست محايدة بالكامل، لأنها تُبقي الباب مفتوحًا أمام تحالفات قد تؤثر على موازين القوة في المنطقة.
وهنا يبرز السؤال السياسي الأهم:
إذا كانت المصالح الاقتصادية الهندية الأوسع ترتبط بالعالم العربي، فلماذا لا يُترجم هذا الوزن إلى نفوذ سياسي موازٍ؟
العلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف، بل بأدوات القوة: الاقتصاد، السوق، والعمالة. والعالم العربي يمتلك أوراقًا مؤثرة في علاقته مع الهند، تبدأ من الطاقة ولا تنتهي عند العمالة والتجارة.
التقارب الهندي-الإسرائيلي هو تحالف مصالح، لكنه ليس قدرًا حتميًا لا يمكن التأثير عليه. فالتحالفات الحديثة مرنة، وتستجيب لتوازنات القوة بقدر استجابتها للتكنولوجيا.
وفي زمنٍ تُعاد فيه صياغة الاصطفافات الدولية، يبقى الدرس واضحًا:
من لا يوظف أوراق قوته… سيجد الآخرين يوظفونها ضده.
ــ الراي