السفير الدكتور موفق العجلوني : الرئيس حسان .. إدارة القلق وتطمين المؤمن عليهم في الضمان
ما قدّمه دولة الرئيس جعفر حسان يوم أمس حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي لا يمكن قراءته باعتباره شرحاً تقنياً لتعديلات قانونية، بل كإدارة سياسية واعية لملف اخذ هرجاً و مرجاً و حواراً كان الشغل الشاغل للشارع الأردني. الضمان الاجتماعي في الأردن ليس مجرد مؤسسة مالية ، هو ركيزة أمان طبقي، وأحد عناصر الثقة بين المواطن والدولة. لذلك، فإن أي تعديل عليه يلامس مباشرة الشعور بالأمان الشخصي للمواطن.
من هنا جاءت استراتيجية ؛ الإرجاء المنظم ". وعدم المساس الفوري بأي متقاعد مبكر أو وجوبي أو اختياري خلال أربع سنوات ليس فقط قراراً تنظيمياً، بل هو قرار سياسي بامتياز يهدف إلى: تفكيك بؤرة الغضب الآنية وتجنب خلق تحالف احتجاجي عابر للقطاعات. وكسب وقت سياسي لإعادة تشكيل السردية العامة حول الإصلاح.
البدء الفعلي من عام 2030، واستكمال التطبيق على مدد طويلة تصل إلى 2047، يكشف عن إدراك واضح لحساسية اللحظة الاقتصادية والاجتماعية. الرسالة كانت واضحة: " لن تُمس حقوقكم الآن ". وهذه الجملة، سياسياً، أثمن من أي شرح اكتواري ، تسجل للرئيس حسان .
الطرح الحكومي يبدو كأنه يؤجل الأزمة، لكن في العمق هو يعيد توزيعها زمنياً. هذا الفارق مهم. التأجيل السلبي يعني ترك المشكلة تتفاقم، أما إعادة التوزيع فتعني تفريغ حدّتها السياسية عبر الزمن .غير أن السؤال الجوهري هو: هل الفجوة الاكتوارية – إن كانت مقلقة فعلاً – تسمح بهذا النفس الطويل؟
إذا كانت المؤشرات المالية خطرة، فإن الإطالة الزمنية قد تؤدي إلى تضخم الكلفة الإصلاحية لاحقاً، وقد تضطر الحكومات القادمة إلى قرارات أكثر قسوة ، من خلال : رفع نسب الاقتطاع ، و تشديد شروط الاستحقاق ، أو تقليص المنافع.
بمعنى آخر، المقاربة الحالية ذكية سياسياً، لكنها تنقل جزءاً من المخاطر إلى المستقبل. وهنا تظهر معادلة حساسة: هل الاستقرار السياسي الآني أولى من الحسم المالي المبكر؟
الإبقاء على فارق السنوات بين الرجل والمرأة في سن التقاعد المبكر ليس قراراً تقنياً، بل هو قرار سياسي تجنّب فتح ملف جدلي يتصل بالمساواة والعدالة الاجتماعية وسوق العمل. فتح هذا الباب كان سيعني الدخول في سجال حقوقي واجتماعي قد يتشعب إلى ملفات أوسع، على سبيل المثال : مشاركة المرأة في سوق العمل ، و الفجوة في الأجور ، و البنية الثقافية للأدوار الأسرية.
يبدوا ان الحكومة اختارت الاستقرار على حساب الجدل. هذا الخيار يعكس براغماتية واضحة: الحفاظ على التوازن الاجتماعي القائم أفضل من إشعال نقاش قد يخرج عن السيطرة.
الإشارة إلى نموذج شبيه بـ البنك المركزي الأردني لم تكن عابرة. هذه مقارنة تحمل رسالة مزدوجة للمواطن: المؤسسة لن تكون أداة مالية للحكومة. وللأسواق والمستثمرين: أموال الضمان محصّنة من التسييس المالي.
التأكيد على أن التمويل سيكون حصرياً من الاشتراكات، وعدم المساس بأرباح الاستثمارات، يعكس محاولة واضحة لفصل الضمان عن عجز الموازنة العامة. وهذه نقطة حساسة في بيئة اقتصادية تتسم بضغط مالي مزمن. لكن يبقى التحدي: الاستقلالية لا تُعلن بل تُمارس. وأي اختلال مستقبلي سيُفقد هذه الرسالة مصداقيتها سريعاً.
هذا و قد اشرت في مقال سابق منشور في عمون الغراء ان : أموال الضمان ملك للمشتركين لا للحكومة. مع ضرورة الشفافية الكاملة في عرض الدراسات الاكتوارية. والحذر من تحميل الأجيال القادمة أعباء قرارات مرحلية.
هذا الطرح الذي طرحته من خلال الدراسات التي قامً بها مركز فرح الدولي للدراسات والابحاث الاستراتيجيةً، لا يعارض التعديلات مباشرة، بل يشكك في كفاية الرسائل السياسية دون عرض أرقام مفصلة للرأي العام، وهو موقف يعكس توجهاً رقابياً أكثر منه سياسياً.
أما ما مدى قابلية تمرير القانون برلمانياً ، فالمقاربة الحكومية تقلل احتمالية المواجهة الحادة مع مجلس النواب للأسباب التالية: لا مساس فوري بالحقوق ، و تطبيق تدريجي طويل ، و خطاب طمأنة واضح ، و فتح باب التشاور.
لكن الخطر الحقيقي قد لا يكون في الرفض المباشر، بل في إدخال تعديلات جزئية متفرقة تُضعف الاتساق المالي للنص النهائي. كثير من القوانين الإصلاحية تفقد فعاليتها بسبب " تحسينات " نيابية آنية ذات طابع شعبوي.
يمكن القول إن الرئيس حسان نجح في إدارة المزاج العام أكثر من إدارته للنص القانوني ذاته. لقد قدّم خطاباً هادئاً، محسوباً، خالياً من الصدام، يوازن بين: حماية الاستقرار الاجتماعي، و إرسال رسائل طمأنة ، و تجنب فتح ملفات حساسة اجتماعياً ، و كسب وقت سياسي ثمين.
على الجانب السياسي، فهذه مقاربة ذكية وواقعية في بيئة إقليمية واقتصادية مضطربة. أما اقتصادياً، فالحكم النهائي سيعتمد على صدقية الأرقام الاكتوارية وقدرة النظام على امتصاص التحولات الديموغرافية وسوق العمل غير المنظم.
أعتقد ان المعركة الآن ليست مع الشارع، بل مع الزمن. والله من وراء القسد، والله ولي التوفيق.
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me