الأخبار

العنف الأسري كعامل ممهّد للتطرف العنيف: دراسة في الخلفيات النفسية والاجتماعية لزعماء الإرهاب

العنف الأسري كعامل ممهّد للتطرف العنيف: دراسة في الخلفيات النفسية والاجتماعية لزعماء الإرهاب
أخبارنا :  

إعداد الباحثة/ أمل محمد أمين :

ملخص البحث
يستكشف هذا البحث العلاقة المحتملة بين العنف الأسري في مرحلة الطفولة وبين الانخراط في الجماعات الإرهابية، خصوصًا لدى قادتها. تنطلق الدراسة من فرضية أن بعض زعماء التنظيمات المتطرفة قد نشأوا في بيئات أسرية غير مستقرة اتسمت بالعنف أو الإهمال أو التفكك، ما قد يسهم في تشكيل اتجاهات عدوانية أو شعور بالاغتراب الاجتماعي والنفسي. وتستند الدراسة إلى مراجعة نظرية وأدبيات بحثية متخصصة في علم النفس الاجتماعي ودراسات الإرهاب، إلى جانب أمثلة سير ذاتية منشورة. وتخلص إلى أن العنف الأسري قد يمثل عامل خطر مساعدًا في سياق متعدد العوامل، لكنه ليس سببًا مباشرًا أو حتميًا للإرهاب.

مقدمة
أصبح العنف الإرهابي في العقود الأخيرة محطّ اهتمام عالمي لفهم أسبابه ودوافعه. ورغم وفرة التحليلات السياسية والأيديولوجية، فإن الأدبيات الحديثة بدأت تركز على الجذور النفسية والاجتماعية لمن يمارسون التطرف العنيف، بما في ذلك تاريخهم الأسري. وتُثار هنا تساؤلات مهمة: هل يمكن أن يؤدي التعرض للعنف داخل الأسرة إلى إنتاج أفراد يميلون إلى الإرهاب؟ وهل عاش بعض قادة التنظيمات المتطرفة طفولة مضطربة أسهمت في بلورة شخصياتهم القيادية العنيفة؟
إشكالية البحث
تفتقر الأدبيات العربية إلى دراسات معمقة تربط بين العنف الأسري ومسارات التطرف القيادي داخل الجماعات الإرهابية. ومن ثم تبرز الحاجة إلى بحث العلاقة المحتملة بينهما، دون الوقوع في التعميم أو التبسيط.
أسئلة البحث
1. هل توجد علاقة ارتباطية بين العنف الأسري في الطفولة والتطرف العنيف لاحقًا؟
2. ما مدى حضور الصدمات الأسرية في السِيَر الذاتية لزعماء الإرهاب؟
3. كيف يسهم العنف داخل الأسرة في تشكيل الهوية النفسية والاتجاهات العدوانية؟
4. هل يمكن اعتبار العنف الأسري سببًا مباشرًا للإرهاب، أم مجرد عامل ضمن منظومة أوسع؟

أهداف البحث
– تحليل الخلفيات النفسية والاجتماعية المرتبطة بطفولة بعض زعماء الإرهاب.
– إبراز دور التنشئة العائلية في تشكيل القابلية للتطرف.
– توضيح أن العنف الأسري ليس عنصرًا حتميًا، بل عامل خطر محتمل.
– دعم صناع السياسات بقراءات وقائية تستهدف الأسرة.

أهمية البحث
– علمية: يفتح مجالًا بحثيًا يدمج علم نفس الطفولة بدراسات الإرهاب.
– مجتمعية: يبرز الأسرة كجبهة حماية مبكرة ضد التطرف.
– سياسية وأمنية: يدعم برامج الوقاية وإعادة التأهيل.

الإطار النظري
1. نظرية التعلم الاجتماعي (Bandura):
يرى أن الأفراد يتعلمون العنف من نماذج أسرية يمارسونها أو يشاهدونها.
2. نظرية الصدمات النفسية:
تشير إلى أن تجارب الإساءة المبكرة قد تدفع للبحث عن القوة أو الانتقام.
3. نظرية الإحباط–العدوان:
تفترض أن الحرمان والإذلال قد يُحوَّلان إلى سلوك عدواني لاحقًا.
4. نظرية الهوية المتطرفة:
توضح كيف يوفر التنظيم الإرهابي إحلالًا عن أسرة مفقودة أو مؤلمة.

– نوع الدراسة: وصفية–تحليلية.
– الأداة: تحليل محتوى السِّيَر الذاتية والمقابلات المنشورة لقادة جماعات إرهابية.
– العينة: شخصيات معروفة مثل عناصر من تنظيم داعش، القاعدة، الجيش الأحمر وغيرها.
– المتغيرات:
– المستقل: العنف الأسري أو عدم الاستقرار العائلي.
– التابع: الانخراط في التطرف العنيف أو القيادة الإرهابية.

تجارب زعماء الإرهاب

تشير أبحاث غربية وعربية إلى وجود نسبة من المتطرفين عاشوا طفولة مليئة بالإهمال أو العنف أو الفقر الأسري، لكنها تتفق على أن الصدمات الأسرية وحدها لا تفسّر الإرهاب، بل تتفاعل مع عوامل أيديولوجية وسياسية واقتصادية وشعور بالظلم المجتمعي.
وتُظهر البيانات البيوغرافية لبعض زعماء الإرهاب وجود تجارب أسرية مضطربة، مثل الضرب أو الإهانة أو غياب الأب، ما يرسخ فجوة عاطفية وضعفًا في الروابط الاجتماعية. وتستغل الجماعات المتطرفة هذا الجرح النفسي عبر وعود بالانتماء، القوة، العدالة أو البطولة. ومع ذلك، توجد شخصيات إرهابية لم تُعرف عن طفولتها أي صدمات أسرية، ما يؤكد أن العلاقة ليست تعميمية.
وهناك بعض أمثلة من زعماء أو متطرفين معروفين تُشير بعض المصادر إلى أنهم عانوا من صعوبات أو عنف في الطفولة أو خلفيات أسرية مضطربة، لكن لا يعني هذا بالضرورة أن العنف الأسري هو العامل الوحيد الذي دفعهم إلى الإرهاب. بعض الأمثلة المعروفة *على زعماء أو متطرفين تعرضوا لصعوبات أسرية أو عنف في الصغر*
1.أندرس بيرينغ بريفيك (Anders Behring Breivik)
تعرض للعنف في طفولته ، هناك تقارير تفيد أن والدته "ضربته كثيرًا” وقالت له إنها تتمنى موته.
أُبلغ أيضًا أن لديه علاقة معقدة معها من الناحية النفسية، وأنها كانت تعرضه لسلوك إيحائي.

2.زاكارياس موساوي (Zacarias Moussaoui)
في سيرته، ذُكر أن والدته تعرضت للعنف المنزلي من والده.
هذا النمط من الصراع الأسري – بالإضافة إلى شعور بالتمييز (مثل العنصرية في فرنسا) – ذُرج على أنه أحد العوامل التي ساهمت في تشكّل ميوله المتطرفة.
3.محمد مِرّه (Mohammed Merah)
نشأ في بيت مفكّك بعد طلاق والديه عندما كان صغيرًا جدًا.
ووصفه البعض بأنه كان "عدوانيًا” منذ طفولته، وأن لديه مشاكل سلوكية منذ الصغر.
4.خالد شرفوف (Khaled Sharrouf)
نشأ في "طفولة مختلة وظيفيًا” (dysfunctional childhood) مع تخلي والده عنه لفترات.
عانى من مشاكل نفسية (ذكرت تقارير تشخيصًا أوليًا بالاكتئاب ثم ما اعتُقِد أنه انفصام في الشخصية).
هذه الأمثلة لا تعني أن كل زعماء الإرهاب لديهم تاريخ من العنف الأسري، لكنها توضح وجود بعض حالات معروفة.
ولا بد من التوضيح أن "العنف الأسري” لا يقتصر فقط على الضرب الجسدي — يمكن أن يكون أيضًا عنفًا نفسيًا، إهمالًا، أو صراعات عائلية حادة.

خلفيات هؤلاء الأشخاص غالبًا ما تكون معقدة جدًا، وتشمل عوامل متعددة (أيديولوجية، اجتماعية، تعليمية، اقتصادية)، وليس فقط العنف في الطفولة.
خلاصة وتوصيات
تشير دراسات متعددة في علم الاجتماع وعلم النفس إلى وجود علاقة محتملة بين العنف الأسري وميول الانخراط في الإرهاب أو التطرف العنيف، لكنها ليست علاقة حتمية. أهم ما توضّحه الأبحاث:
التنشئة العنيفة قد تطوّر قابلية للعنف
التعرض للضرب، الإهانة أو الإذلال داخل الأسرة قد يرسّخ فكرة أن العنف وسيلة مشروعة لحل الصراعات، وفق نظرية التعلّم الاجتماعي.

الصدمة النفسية تزيد قابلية الاستقطاب
الأطفال الذين ينشأون في بيئات مؤذية قد يبحثون لاحقاً عن الانتماء أو القوة أو المعنى، ما يجعلهم أكثر عرضة للتجنيد في جماعات متطرفة.
ايضا تفكك الأسرة عامل خطر والتفكك يشمل انتشار الطلاق النزاعي، الإهمال، غياب الدور الأبوي—كلها قد تخلق شعوراً بالظلم أو الاغتراب، وهو ما تستغله بعض الحركات المتطرفة في خطابها.
كما أن هناك ارتباط غير مباشر عبر المشكلات النفسية
العنف الأسري قد يؤدي إلى الاكتئاب، القلق واضطرابات ما بعد الصدمة، والتي قد تسهّل الانخراط في سلوكيات عنيفة إذا لم يتم علاجها.
لكن بالمقابل: ليس كل من يتعرض للعنف الأسري يصبح متطرفًا أو إرهابياً
فالعوامل السياسية، الاقتصادية، الدينية، التعليمية، الفقر، غياب العدالة والشعور بالتهميش—تلعب أدوارًا كبيرة أيضاً.
و كثير من الضحايا يصبحون دعاة سلام وحماية للآخرين.
ومن هذا المنطلق فإن العنف الأسري يُعد عامل خطر اجتماعي–نفسي يمكن أن يسهِم في تشكيل الاستعداد للعنف أو التطرف، لكنه أحد العوامل وليس السبب الوحيد
اي أن العنف الأسري ليس مولّدًا مباشرًا للإرهاب، لكنه قد يعمل كعامل بيئي يزيد قابلية الفرد للتطرف العنيف، خاصة إذا ترافق مع التهميش، الفقر، الصدمات السياسية، أو الأدلجة المتطرفة. وللحد من التطرف، لا بد من سياسات داعمة للأسرة، وبرامج حماية الطفل، وتمكين نفسي واجتماعي مبكر.
ومن هذا يتضح أن العنف الأسري آفة تنهش الأسرة وتدمر المجتمع
ومن هذا فلابد من تنفيذ العديد من التوصيات والمقترحات أهمها:
1. تعزيز الأبحاث العربية حول السّيَر الذاتية للإرهابيين.
2. دمج الوقاية الأسرية في استراتيجيات مكافحة التطرف.
3. توفير خدمات علاج نفسي لضحايا العنف الأسري.
4. دعم برامج التربية الوالدية الإيجابية.

مواضيع قد تهمك