الزراعة في عهد الملك.. ركيزة للتحديث الاقتصادي وسيادة غذائية مستدامة
منذ تولي حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، حفظه الله، سلطاته الدستورية، شكّلت الزراعة أحد المرتكزات الاستراتيجية في فكر الدولة الأردنية، ليس بوصفها قطاعًا إنتاجيًا تقليديًا، بل باعتبارها ركيزة من ركائز الأمن الوطني، وأداة فاعلة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ورافعة للاستقرار في ظل تحديات إقليمية ومناخية متسارعة.
وقد جسدت الرؤية الملكية السامية فهمًا عميقًا لدور الزراعة في بناء الدولة الحديثة، وربطها المباشر بالأمن الغذائي، والاعتماد على الذات، وتمكين الإنسان الأردني.
وفي هذا السياق، شهد القطاع الزراعي الأردني في عهد جلالة الملك تحولًا نوعيًا، انتقل به من أنماط إنتاج محدودة العائد إلى قطاع حديث قائم على المعرفة والبحث العلمي والابتكار، وقادر على المساهمة الفاعلة في الناتج المحلي الإجمالي، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الصادرات الزراعية، وتحقيق الأمن الغذائي. وقد جاء هذا التحول منسجمًا مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي التي أطلقها جلالة الملك كخارطة طريق شاملة لمستقبل الأردن، وجعلت من الزراعة أحد القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
لقد وضعت رؤية التحديث الاقتصادي القطاع الزراعي في صميم أولوياتها، لما يمتلكه من إمكانات واعدة في مجالات الإنتاج النباتي والحيواني، والصناعات الغذائية، والتشغيل، خاصة في المحافظات والمناطق الأقل حظًا. كما أكدت الرؤية ضرورة تطوير سلاسل القيمة الزراعية، وتعزيز الاستثمار، وتحفيز الابتكار، وربط الزراعة بالتصنيع الغذائي والأسواق المحلية والعالمية، بما يسهم في تحقيق تنمية متوازنة، وتقليل الفجوة التنموية بين المحافظات، وتعزيز صمود المجتمعات الريفية، وتمكين الشباب والمرأة اقتصاديًا.
ومن أبرز إنجازات جلالة الملك في هذا القطاع، الدعم المتواصل للبحث العلمي الزراعي، وتوجيه المؤسسات الوطنية نحو إنتاج معرفة تطبيقية تخدم المزارع والقطاع الخاص، وتسهم في مواجهة التحديات المتزايدة، وعلى رأسها التغير المناخي وشح الموارد المائية. وقد انعكس هذا الدعم في تعزيز دور المركز الوطني للبحوث الزراعية، وتطوير بنيته التحتية، وتوسيع شراكاته مع الجامعات والمؤسسات البحثية الوطنية والدولية، وربط مخرجاته البحثية باحتياجات الواقع الزراعي، بما يعزز كفاءة الإنتاج واستدامته.
كما أولت التوجيهات الملكية اهتمامًا خاصًا بتوظيف التقنيات الحديثة في الزراعة، كالزراعة الذكية مناخيًا، والتحسين الوراثي، والإدارة المتكاملة للموارد الطبيعية، لا سيما المياه، باعتبارها التحدي الأكبر أمام الزراعة الأردنية. وقد أسهم هذا التوجه في بناء نموذج زراعي أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات البيئية والاقتصادية.
وفي ظل الأزمات العالمية المتلاحقة التي أثرت على سلاسل الإمداد الغذائي، برز مفهوم السيادة الغذائية كأحد المحاور الجوهرية في الرؤية الملكية، حيث أكد جلالة الملك في أكثر من مناسبة ضرورة تعزيز الاعتماد على الذات، وحماية المخزون الغذائي الوطني، وضمان استدامة الإنتاج. ويُعد إنشاء وتطوير بنك البذور الوطني نموذجًا حيًا على هذا الفكر الاستشرافي، إذ يشكل البنك خط الدفاع الأول عن التنوع الحيوي الزراعي، وضمانة وطنية لحفظ الموارد الوراثية النباتية، وتطوير أصناف قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية، وتحقيق إنتاجية مستقرة ومستدامة، وقد حظي هذا المشروع باهتمام ملكي مباشر تأكيدًا على أهميته الاستراتيجية للأمن الغذائي الوطني.
وانطلاقًا من قناعة جلالة الملك بأن الإنسان هو محور التنمية وغايتها، ركزت السياسات الزراعية في عهده على تمكين المزارع، وتحسين مستوى معيشته، وتوفير أدوات الإنتاج الحديثة، وتسهيل وصوله إلى التمويل والأسواق، إلى جانب تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة في المجالات الزراعية والصناعات الغذائية، بما يسهم في خلق فرص عمل مستدامة، ودعم الاقتصاد الوطني.
إن إنجازات جلالة الملك عبدالله الثاني في القطاع الزراعي، ضمن إطار رؤية التحديث الاقتصادي، تؤكد أن الزراعة ليست قطاعًا تقليديًا أو هامشيًا، بل مسارًا وطنيًا للمستقبل، وأحد أعمدة الصمود الاقتصادي والاجتماعي. فقد نجح الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، في تحويل التحديات إلى فرص، وبناء نموذج زراعي وطني قائم على العلم والاستدامة والابتكار، رغم محدودية الموارد.
وإذ نواصل العمل في المؤسسات الزراعية الوطنية، فإننا نستمد العزم والإلهام من الرؤية الملكية السامية التي آمنت بأن الاستثمار في الأرض هو استثمار في الإنسان والمستقبل، وستبقى الزراعة الأردنية، بتوجيهات جلالة الملك، ركيزة أساسية في بناء اقتصاد حديث، وسيادة غذائية راسخة، ومستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا للأجيال القادمة.
حفظ الله الأردن، وحفظ قائد الوطن، ودامت مسيرة التحديث والإنجاز.
* مدير عام المركز الوطني للبحوث الزراعية