ماجد الفاعوري يكتب : حرب إيران أم لحظة تفكيك النظام العربي
ليست الحروب القادمة مجرد مواجهات عسكرية بين دول متخاصمة بل هي لحظة إعادة صياغة شاملة للخرائط السياسية والوظيفية للمنطقة العربية لحظة لا تشبه ما قبلها ولا يمكن قراءتها بمنطق الصراع التقليدي بين إيران وخصومها فالحشد العسكري غير المسبوق الذي يتشكل اليوم لا يستهدف طهران وحدها بقدر ما يستهدف بنية الإقليم كله وحدوده وأنظمته وأدواره ووظائفه في النظام الدولي الجديد
الاعتراف بضرر إيران وميليشياتها على العراق واليمن ولبنان وسوريا هو اعتراف واقعي لا جدال فيه فقد مزقت المجتمعات وهشمت الدول وعمقت الانقسامات الطائفية وأدخلت المنطقة في دوامات دم وبؤس وتهجير غير مسبوقة باسم المقاومة وباسم الممانعة وباسم حماية المقدسات لكن الخطورة الكبرى تكمن في الوهم القائل إن الحرب على إيران ستكون خلاصا عربيا أو بداية استقرار إقليمي فالتاريخ القريب يعلمنا أن كل حرب كبرى في الشرق الأوسط كانت مقدمة لفوضى أوسع ولمشاريع خارجية أعمق
الحشد العسكري الحالي يعيد إلى الأذهان مشاهد ما قبل غزو العراق عام 2003 لكنه أوسع وأخطر وأشد تعقيدا لأنه لا يستهدف دولة واحدة بل منظومة نفوذ كاملة تمتد من الخليج إلى المتوسط ولأنه يأتي في سياق دولي مختلف تقوده عقلية ترمب التي لا تؤمن بالحلفاء الدائمين ولا بالخرائط الثابتة بل بالمصالح السريعة والصفقات الكبرى وإعادة توزيع النفوذ بالقوة الناعمة والخشنة معا
ترمب لا يخفي رؤيته للمنطقة فهو ينظر إليها بوصفها خزانا للطاقة وسوقا للسلاح وممرا جيوسياسيا يجب ضبطه لا بوصفها فضاء حضاريا أو إنسانيا وهذه الرؤية تتقاطع مع ما سماه هنري كيسنجر منذ عقود بإدارة الفوضى الخلاقة حيث لا يكون الهدف إسقاط عدو فقط بل خلق توازنات جديدة عبر تفكيك القديم وإعادة تركيبه بشكل يخدم المصالح الأميركية العليا وكيسنجر كان واضحا حين اعتبر أن الشرق الأوسط لا يمكن أن يستقر إلا إذا أعيدت هندسة دوله على أسس وظيفية لا قومية
أما برنارد لويس فقد ذهب أبعد من ذلك حين تحدث عن تفكيك الكيانات الكبرى إلى وحدات أصغر على أسس إثنية وطائفية باعتبار ذلك حلا دائما لصراعات المنطقة وهذه الأفكار لم تبق في الكتب بل تسربت إلى مراكز القرار وظهرت بوضوح في حديث كونداليزا رايس عن شرق أوسط جديد يولد من رحم الفوضى والدمار وهو شرق أوسط لا مكان فيه للدولة الوطنية القوية بل للكيانات الهشة المرتبطة أمنيا واقتصاديا بالمركز الغربي
في هذا السياق تصبح الحرب على إيران أداة لا غاية أداة لإعادة ترتيب الإقليم وليس لإنهاء أزماته والدول العربية الأكثر تضررا لن تكون تلك التي اصطدمت مباشرة بإيران فقط بل تلك التي تقع على خطوط التماس الجيوسياسي والاقتصادي والأمني الأردن في قلب هذه العاصفة لأنه يقع بين فلسطين والعراق وسوريا ولأنه يمثل نقطة توازن هشة في مشروع التفكيك الإقليمي وأي فوضى في العراق أو سوريا أو فلسطين تنعكس مباشرة على أمنه واقتصاده وتركيبته الاجتماعية
الخليج العربي أيضا ليس بمنأى عن العاصفة فالكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية كلها تقع ضمن مسرح العمليات السياسية والاقتصادية للحرب القادمة حتى لو لم تسقط عليها الصواريخ مباشرة فإغلاق المضائق وتهديد الطاقة وضرب سلاسل الإمداد وابتزاز الأمن كلها أدوات حرب لا تقل خطورة عن القصف المباشر والسعودية تحديدا تواجه معادلة معقدة فهي بين حدود طويلة مع العراق غير المستقر وحدود بحرية مع إيران وحدود مفتوحة على تحولات سياسية داخلية وإقليمية كبرى
المفارقة المؤلمة أن العالم العربي يدخل هذه اللحظة التاريخية بلا مشروع موحد ولا رؤية استراتيجية فنحن نواجه المشروع الصهيوغربي الذي يسعى لإعادة هندسة المنطقة ونواجه المشروع الفارسي الذي تمدد على أنقاض الدول ونواجه المشروع التركي الذي يعيد إنتاج نفوذ عثماني بلبوس حديث لكننا لا نملك مشروعا عربيا حقيقيا يعبر عن مصالح شعوبنا ويؤسس لوجودنا ككتلة سياسية مستقلة
الحرب القادمة إن وقعت لن تسأل عن المواقف الأخلاقية ولن تميز بين من عارض إيران ومن تحالف معها لأنها حرب خرائط لا حرب شعارات ومن يعتقد أن الخلاص يأتي على متن البوارج الأجنبية ينسى أن كل تدخل خارجي في تاريخنا الحديث انتهى بتقليص السيادة لا بتعزيزها وبإضعاف الدولة لا ببنائها
ما نعيشه اليوم هو لحظة اختبار قاسية إما أن ندرك أن الخطر ليس في إيران وحدها بل في الفراغ العربي الذي سمح لكل المشاريع أن تتصارع فوق أرضنا أو نستمر في دور المتفرج الذي ينتظر نتائج الحرب ليكتشف أن اسمه كان مكتوبا سلفا في خرائط التقسيم والتغيير فالتاريخ لا يرحم من لا يملك مشروعا ولا من يكتفي برد الفعل في زمن تصنع فيه الأمم مصائرها بالفعل والرؤية والقرار