د. سند ابو راس : ولكن، ما الإنسان؟
في عصر النرجسية والسعي الدائم نحو التميّز، تتصاعد صيحات التفرد وروح الأنا بحثًا عن الاختلاف عوضًا عن التشابه. وهنا نسأل: ما هو الإنسان؟ وما هو التعريف الذي قد يضمّ البشر جميعًا دون إقصاء لأيّ أحد؟
فمع ازدياد استخدام أساليب الدراما والتراجيديا في تعريف المصطلحات في الوقت الحالي، ربما يأتي أحدهم ليعرّف الإنسان على أنه «الوعي المتجذّر في أصول الكون»، أو آخر يقول: «الإنسان هو هوية المزيج الناتج عن تعاقب الحضارات»، أو ربما يتم تعريف الإنسان باستخدام مصطلحات فضفاضة كالتفكير، والتفكّر، والتعايش، والوعي، والمسؤولية الاجتماعية، إلخ.
ولكن مهما وضعنا تعريفات للإنسان، سيظل هناك مجموعة من الناس لا ينطبق عليهم ذلك التعريف، وحسب قوة وسلطة المُعرِّف سيبقى البشر الذين لا ينطبق عليهم التعريف بشرًا من الدرجة الثانية.
لو تأمّلنا الكائن البشري عبر العصور، سنجد أن جميع البشر خلال فترة حياتهم يشتركون في شيء واحد، ألا وهو القلب النابض. فلا يوجد إنسان بلا قلب ينبض، وبناءً على هذا القلب النابض يُصنَّف إنسانًا حيًا، وهو الحدّ الفاصل الذي تتحول عنده حالة الإنسان إلى جثة بشرية. فلو وُلد مولود بلا قلب فهو جثة، ولو وُلد بقلب لا ينبض فهو جثة، ولو كان له قلب نابض وعاش حياته ثم توقّف قلبه عن الخفقان، سيتحوّل من إنسان له كرامة وحقوق وواجبات إلى جثة هامدة يمكن دفنها في الأرض في اللحظة نفسها.
وزيادة في التأمّل، تخيّل شخصين: الأول وُلد في لحظة ما، والثاني توفّي في اللحظة نفسها. لو افترضنا أن الأول عاش ثمانين عامًا، ثم أتيته بعد تلك السنوات، ستجد إنسانًا عاش تجارب، وله ذكريات، وكرامة، وحقوق، وواجبات. وإذا لم يُصب بمرض ذهني، ربما يخبرك عن طفولته، وإذا لم يُصب بمرض جسدي، ربما يُعدّ لك كوب شاي.
أما الشخص الثاني، فلو عدت إليه بعد ثمانين عامًا فلن تجده؛ فقد تحلّل جسده، ولم يتبقَّ منه سوى الرفات.
ربما يكون تعريف الإنسان أحد عوامل العنصرية والتمييز بين البشر واستحلال دمائهم. فمن رأى أن الإنسان هو صفات معيّنة، ثم رأى شخصًا لا تنطبق عليه تلك الصفات، قد يظل مقتنعًا بأن هذا الشخص ليس إنسانًا، وسيتعامل معه على هذا الأساس. وحتى إن حاول أن يتعامل معه كإنسان، فإنه قد يفعل ذلك بدافع الشفقة، أو بدافع الشعور بالتفوّق الأخلاقي على الآخرين العنصريين، لا لأنه يراه فعلًا إنسانًا أو يقتنع بذلك حقًا.
بهذا التعريف البسيط، يتساوى البشر جميعًا بغضّ النظر عن العرق، واللون، والجنس، والعمر، والدين، والمكانة الاجتماعية، والصحة الجسدية، والصحة النفسية، وطريقة التفكير، وعمقه، والوعي، والشهادة العلمية، والأثر الاجتماعي؛ فكلّها تتبخّر إذا توقّف القلب عن الخفقان.
ربما هذا التعريف يخدش غرور البعض، ولكن الحقيقة أن وجود الإنسان يعتمد على عضلة لا إرادية تنقبض وتنبسط وحدها، ولا سلطان له عليها، ولا يستطيع إنسان أن يكون أكثر إنسانية من غيره؛ فلو كان الأمر متروكًا للتفكير والتفكّر والعمل والمسؤولية، لكانت هناك درجات من الإنسانية، ولكن ما إن يكون للجنين في بطن أمه قلب نابض حتى يكون قد بلغ الإنسانية في صورتها المطلقة. أمرٌ جميل، أليس كذلك؟