الأخبار

اسماعيل الشريف يكتب : رسميًا حرب أهلية

اسماعيل الشريف يكتب : رسميًا حرب أهلية
أخبارنا :  

البيت المنقسم على ذاته لا يمكن أن يصمد- أبراهام لنكولن.
في شهر تشرين الأول 2024، أجرى فريق من مركز الأخلاقيات وسيادة القانون (CERL) في جامعة بنسلفانيا، بقيادة الأستاذة كلير فينكاستاين، تمرينًا افتراضيًا لمحاكاة سيناريو اندلاع حرب أهلية أمريكية معاصرة. افترض التمرين رئيسًا يأمر بتنفيذ عملية اتحادية لإنفاذ القانون تواجه رفضًا شعبيًا واسعًا في مدينة كبرى، فتتصدى لها السلطات المحلية، وتعجز المحاكم عن أداء مهامها، وتتفاقم المواجهات بين عملاء فدراليين وسلطات الولايات، لتنتهي بصدام مسلح بين قوات الولاية والقوات الفدرالية. وبعد أقل من شهرين، وتحديدًا في كانون الأول من العام نفسه، تحوّل هذا السيناريو من محاكاة نظرية إلى واقع ملموس.
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، أُنشئت شرطة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) خلال إدارة الرئيس بوش الابن، غير أن الرئيس ترامب وسّع صلاحياتها على نحو غير مسبوق، وعزّز حضورها الميداني، فأصدر أوامر تنفيذية لتكثيف الاعتقالات وعمليات الترحيل، وألغى سياسات إدارة أوباما التي كانت تمنح الأولوية لفئات محددة، محوّلًا هذه الوكالة إلى أداة اتحادية باطشة لفرض إنفاذ القانون في مواجهة السلطات المحلية.
نُشرت أعداد كبيرة من عناصر شرطة الهجرة والجمارك في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا. وفي السابع من كانون الثاني من هذا العام، أطلق عناصر منها النار على المواطنة الأمريكية نيكول غود، وهي أم وشاعرة غير مسلّحة، كانت تجلس داخل سيارتها، فأصابتها ثلاث رصاصات في الصدر والساعد والرأس. ورغم جسامة الجريمة، رفضت وزارة العدل فتح تحقيق مع الضابط المتورط، فيما منع مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) مسؤولي ولاية مينيسوتا من الوصول إلى الأدلة، ما عمّق الشرخ بين سلطات الولاية والسلطات الفدرالية.
أشعلت الجريمة موجة احتجاجات واسعة في المدينة، تخللتها اشتباكات بين المتظاهرين وعناصر شرطة الهجرة والجمارك، الأمر الذي دفع الوكالة إلى توسيع انتشارها ليصل عدد عناصرها إلى نحو ثلاثة آلاف عنصر، متفوقة عددًا على الشرطة المحلية. ولم يؤدِّ هذا التصعيد إلا إلى مزيد من الدم، إذ سقطت ضحية جديدة برصاص عناصر شرطة الهجرة والجمارك، كاشفًا حجم الانفلات الذي بات يرافق عملها.
كشف مقتل غود عن أزمة دستورية مكتملة الأركان، إذ طالب مسؤولو ولاية مينيسوتا، بمن فيهم الحاكم والمدعي العام، بمحاسبة المسؤولين عن الجريمة، غير أن مكتب التحقيقات الفيدرالي ردّ بإقصائهم عن مسار التحقيق ومصادرة الأدلة، في خطوة فسّرها كثيرون بوصفها إعلانًا صريحًا لتغليب السلطة الفدرالية بالقوة على حساب صلاحيات الولايات.
ولم تكن حادثة مينيسوتا استثناءً، إذ تكررت وقائع مشابهة في تكساس ونورث كارولاينا وألاباما وفلوريدا. وفي مواجهة هذا المسار، تشكّلت حركات شعبية مناهضة لشرطة الجمارك والهجرة الفدرالية، عملت على توثيق انتهاكاتها وحماية المجتمعات المتضررة، فيما رفضت شركات وفنادق تقديم خدماتها لعناصر هذه الشرطة. وفي خضم هذا الحراك، برز وسم #ICEOut عنوانًا لحملة شعبية واسعة تطالب بوقف عمل الوكالة وإخراجها من المدن.
في المقابل، اختارت الحكومة الفدرالية التصعيد بدل الاحتواء؛ فمنحت وزيرة الأمن الداخلي عناصر الشرطة حصانة شبه مطلقة، ورفعت ميزانية هذه الأجهزة إلى نحو 170 مليار دولار، خُصصت لتمويل معسكرات الاعتقال، وتوسيع تقنيات المراقبة، وتنفيذ المداهمات المسلحة، وهو ما أسهم مباشرة في تصاعد مستويات العنف واتساع رقعته.
وتُظهر استطلاعات الرأي تحوّلًا لافتًا في المزاج العام، إذ يؤيد 46% من الأمريكيين إلغاء شرطة الجمارك والهجرة، مقارنة بنسبة لم تتجاوز 19% في أواخر عام 2024. وفي مينيسوتا، يطرح مشرّعون مشاريع قوانين تهدف إلى تقليص التعاون مع ICE، بالتوازي مع شروع مدن وولايات عدة في إقرار ما يُعرف بقوانين «الملاذ الآمن»، التي ترفض التعاون مع هذه الوكالة. ويُقصد بهذه القوانين تشريعات محلية تمنع الشرطة المحلية من مشاركة بياناتها مع شرطة الهجرة والجمارك، وتنفيذ اعتقالات نيابة عن الحكومة الفدرالية، أو احتجاز أشخاص بناءً على طلبات صادرة عن ICE.
اليوم، لم تعد هذه السيناريوهات افتراضية ولا أكاديمية؛ فقد بات المشهد واقعًا دمويًا تتجسد فيه عناصر فدرالية مدججة بالسلاح، تقتل وتعذّب في مواجهة احتجاجات شعبية واسعة واحتكاكات متصاعدة مع الشرطة المحلية. وعليه، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قد دخلت حربًا أهلية، بل ما إذا كانت هذه الحرب مرشحة للاتساع والتمدّد، وبأي ثمن.

مواضيع قد تهمك