الأخبار

أ. د. امجد الفاهوم : من المؤشر إلى المنظومة: الابتكار حين يُدار وطنياً

أ. د. امجد الفاهوم :  من المؤشر إلى المنظومة: الابتكار حين يُدار وطنياً
أخبارنا :  

لا يمكن قراءة موافقة مجلس الوزراء على الصيغة النهائية للخطة التحسينية لأداء الأردن في مؤشر الابتكار العالمي بوصفها خطوة إجرائية معزولة، بل باعتبارها محطة تحول نوعية في مسار بناء الاقتصاد الرقمي الوطني، حيث يتقاطع الطموح مع الفرص الواقعية، وتُختبر القدرة على تحويل التقدم في المؤشرات الدولية إلى أثر اقتصادي وتنموي ملموس.
إن تقدم الأردن إلى المرتبة 65 عالمياً في تقرير مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025 يعكس تحولاً أعمق من مجرد تحسن رقمي؛ فهو مؤشر على انتقال الدولة من مرحلة التركيز على البنية التحتية الرقمية إلى مرحلة نضج المنظومة الابتكارية، حيث يصبح السؤال المركزي: كيف نحول المعرفة والبحث والتكنولوجيا إلى قيمة مضافة مستدامة، وفرص عمل نوعية، ونمو اقتصادي حقيقي؟
في هذا الإطار، تبرز الأهمية الاستراتيجية لتوطين صندوق دعم البحث العلمي والابتكار ضمن مظلة المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا. فهذا القرار لا يمثل إعادة تنظيم مؤسسية فحسب، بل يؤسس لنهج جديد في إدارة البحث العلمي، يقوم على التكامل بين السياسات الوطنية وأولويات التنمية، وعلى توجيه التمويل نحو بحوث تطبيقية ذات أثر اقتصادي واجتماعي مباشر. إن وجود الصندوق ضمن المجلس الأعلى يضمن حوكمة أعلى، وتنسيقاً أعمق بين الجهات، وربطاً أوضح بين مخرجات البحث واحتياجات القطاعات الإنتاجية، بما يحول البحث العلمي من نشاط أكاديمي محدود الأثر إلى رافعة تنموية حقيقية.
ويتعزز هذا التوجه برئاسة سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، لمجلس تكنولوجيا المستقبل، بما يحمله ذلك من دلالات استراتيجية عميقة. فقيادة سموه لهذا المجلس تعكس إيماناً راسخاً بأن التكنولوجيا والابتكار هما مدخل أساسي لمستقبل الأردن، وليس مجرد خيار مرحلي. كما تمنح هذه الرئاسة زخماً سياسياً ومعنوياً كبيراً لملف الابتكار، وتُسهم في تسريع اتخاذ القرار، وربط السياسات التقنية بالتحولات العالمية المتسارعة، وبخاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والتقنيات العميقة.
ولا يمكن الحديث عن منظومة الابتكار الوطنية دون التوقف عند الدعم اللامحدود والثابت الذي يبديه سمو الأمير الحسن بن طلال للبحث العلمي والتكنولوجيا على امتداد عقود. فقد شكّل هذا الدعم ركيزة فكرية ومؤسسية أساسية لترسيخ ثقافة العلم والمعرفة في الأردن، والدفاع عن دور البحث العلمي بوصفه أساس النهضة والاستقلال التنموي. إن هذا الامتداد التاريخي للدعم، حين يلتقي اليوم مع زخم شبابي تقوده رؤية ولي العهد، يخلق توازناً نادراً بين الخبرة العميقة والرؤية المستقبلية، ويمنح منظومة الابتكار الأردنية بعداً استراتيجياً مستداماً.
وتشير نتائج مؤشر الابتكار العالمي بوضوح إلى أن الاستثمار في الإنسان الأردني هو الرهان الأكثر أماناً. فالأداء المتقدم في مؤشرات الإنتاج العلمي والعاملين بالمعرفة، إلى جانب التحسن في كفاءة الخدمات الحكومية، يؤكد أن الابتكار حين يُدار ضمن رؤية وطنية متكاملة، ينعكس مباشرة على حياة المواطن، ويغادر حدود التقارير الدولية إلى الواقع اليومي.
إن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يتمثل في تحسين ترتيب الأردن بضع مراتب إضافية، بل في تثبيت مسار تصاعدي مستدام، تُترجم فيه الخطط والمؤشرات إلى اقتصاد منتج، ومعرفة مُوطّنة، وتكنولوجيا تُصنع محلياً وتنافس عالمياً. عندها فقط يصبح مؤشر الابتكار العالمي أداة قياس، لا غاية بحد ذاته، ويغدو الابتكار مشروع دولة، لا مجرد عنوان مرحلي.

مواضيع قد تهمك