الأخبار

محمد ابو رمان : التحول المطلوب الآن

محمد ابو رمان :  التحول المطلوب الآن
أخبارنا :  

تعكس جولة الوفد الوزاري الأردني في أوروبا للترويج للاستثمار وعياً متصاعداً بأهمية الاقتصاد في معادلة السياسة الخارجية، إذ تأتي هذه الزيارة بعد توقيع الأردن والاتحاد الأوروبي اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة، والتي اشتملت على حزمة مساعدات واستثمارات أوروبية بقيمة تقارب 3 مليارات يورو للأعوام 2025–2027 تشمل منحاً، واستثمارات، ودعماً مالياً كبيراً للمملكة، مع برنامج مساعدة مالية كلية بقيمة 500 مليون يورو كمرحلة أولى ضمن هذه الشراكة.
لا تمثّل هذه الزيارة، التي ترأسها وزراء الصناعة والتجارة، والتخطيط، والاستثمار، مجرد محادثات روتينية، بل إعلاناً عن دخول مرحلة جديدة في علاقة الأردن بأوروبا، عبر وضع الاستثمار والاقتصاد في قلب هذه العلاقة، بما يؤكد للدول الأوروبية الكبرى أن الأردن شريك جاد في مشاريع مستدامة طويلة الأجل.
تترجم هذه الخطوة – مهما بدت اقتصادية في ظاهرها – نوعاً من التحول الاستراتيجي في إدراك عمّان لطبيعة اللحظة الانتقالية الراهنة في النظام الدولي، مع السياسات الأميركية المتذبذبة بين التوازنات التقليدية والرهانات الجديدة على العلاقات المتعددة الأطراف، مما يدفع بالأردن – كغيره من الدول – إلى البحث عن مسارات استراتيجية بديلة تُعزّز استقلاليته وموقعه في شبكة التحالفات الدولية. في هذا السياق، يأتي الاتحاد الأوروبي كشريك استراتيجي يمتلك أدوات اقتصادية وسياسية يمكن أن تدعم استقرار الأردن في مواجهة تقلبات البيئة الإقليمية، وفي الواقع شكّلت دول أوروبية كبرى (مثل بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، وإسبانيا – وآخرين كالنرويج –) عبر عقود شراكات متينة مع الأردن في مجالات متعددة، من التنمية إلى الأمن والاستثمار.
غير أن هذه الشراكات لا تقتصر على أوروبا أو على الجانب الاقتصادي فقط، إذ قام الملك أيضاً بجولة مهمة في آسيا مصطحباً (في تشرين الثاني من العام الماضي) وفداً اقتصادياً، بحثاً عن فرص استثمارية وتعاون متعدد الأبعاد.
مثل هذه التحركات تأتي في إطار الإدراك الأردني لأهمية القيام بمراجعات استراتيجية مرتبطة بالأوضاع الدولية والإقليمية والتحولات الكبرى من حولنا، ويتجلى ذلك أيضاً في الرسائل التي وجهها الملك إلى القيادة العسكرية الأردنية حول تعزيز القدرات في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العسكرية الحديثة، ما يربط بين الأمن والاقتصاد والابتكار في رؤية متكاملة للسياسة الخارجية.
رغم أهمية هذه الخطوات، فإنّ هناك اليوم ضرورة أن يتحول هذا الترويج إلى مأسسة حقيقية ضمن بنية المؤسسة الدبلوماسية الأردنية، فوجود وزير محترم وذو حضور في أوروبا هو نقطة قوة، ومن الضروري أن نستثمر ما يقوم به، بإشراف ودعم من الملك، بتطوير العلاقات عبر تطوير دور السفارات الأردنية ليتجاوز الوظائف القنصلية التقليدية إلى ملحقيات اقتصادية وتجارية قادرة على فتح الأسواق وتسهيل الاستثمارات والأعمال المستدامة، وفي الحدّ الأدنى وجود ممثلين اقتصاديين في عواصم كبرى مثل بروكسل وبرلين ولندن، بل وحتى بكين وهيئة الاستثمار في الهند.
وفي هذا السياق، لا يمكننا تجاهل مشروع سعيد عدنان أبو عودة الذي حاول أن يربط بين المغترب الأردني في الخليج العربي وقدراته الاستثمارية في الوطن، إذ يضع المجتمع الأردني في الخليج كرافد اقتصادي حقيقي لدفع عجلة التنمية، لكن للأسف ظل هذا المشروع حبيس الرفوف، رغم الجهود التي قام بها أبو عودة لإقناع العديد من المسؤولين خلال الأعوام السابقة بأهمية ذلك للاقتصاد والاستثمار في الأردن، وإقرار العديد منهم بأهمية المشروع.
صحيح أن تعزيز البُعد الاقتصادي في السياسة الخارجية قد يحمل تكلفة على المدى القصير، خصوصاً في ميزانية وزارة الخارجية، لكن هذه الكلفة لن تكون عبئاً إذا ما اعتبرناها استثماراً استراتيجياً في موقع الأردن الإقليمي والدولي، في عالم تتحكم فيه الحروب الجيو-اقتصادية وسياسات الشراكات متعددة الأبعاد.
المطلوب الآن – وليس لاحقاً – هو تحول فكري واستراتيجي حقيقي في دمج المصالح الاقتصادية بصورة ديناميكية بالنشاط الدبلوماسي، فالتحديات المعقدة التي يواجهها الأردن، من استقرار اقتصادي إلى تحديات إقليمية، لا يمكن الرد عليها بأطر تقليدية، ومن الضروري أن يتوازى ويتزامن مع ذلك تحولات مؤسسية وفكرية حقيقية تضع الاقتصاد في صلب العلاقات الدولية، وتبني شبكات تعاون حقيقية ومتوازنة مع القوى الكبرى على الساحة العالمية. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك