فراس النعسان : معركة فوق الكوكب
العالم منشغل بعدّ ضحاياه، وهؤلاء منشغلون بعدّ أصفارهم.
في زاوية من
هذا الكوكب، حيث لا تصل رائحة البارود ولا صراخ الأطفال ولا طوابير الخبز،
يتشاجر إيلون ماسك وسام ألتمان. لا يتشاجران على فكرة فلسفية أو على معنى
الحياة، بل على اتهامات بالتسبب بالقتل، وعلى تعويضات قد تصل إلى 134 مليار
دولار. رقم لا يُنطق، بل يُبتلع كما تُبتلع الحروب في نشرات الأخبار.
المشهد
عبثي إلى درجة أنه يصلح لأن يكون فصلاً من رواية كافكا لو عاش في وادي
السيليكون. اثنان من كبار مهندسي المستقبل يتقاذفان التهم كأنهما طفلان
يختلفان على لعبة ذكية، بينما العالم، الذي من المفترض أن يكون هذا
المستقبل له، لا يملك حتى رفاهية السؤال عمّا يجري.
إيلون ماسك، الذي
يحلم بإنقاذ البشرية عبر المريخ، وسام ألتمان، الذي يعد بإعادة تعريف العقل
البشري عبر الذكاء الاصطناعي، يتهم أحدهما الآخر بأن خوارزمياته قد تقتل
البشر، أو على الأقل تدمّر حياتهم. مفارقة لا تخلو من سخرية سوداء: القتل
هنا ليس بالرصاص، بل بالشفرة البرمجية، وليس في الأزقة، بل في العقود.
العالم
الذي يعاني من مجاعات حقيقية، ومن قتل موثّق بالصوت والصورة، ومن دول
تُمحى من الخرائط، يجد نفسه فجأة أمام سؤال غريب: من سيعوّض من؟ ومن قتل
من؟ وهل يُقاس الدم اليوم بالدولار أم بالبيانات؟
134 مليار دولار
بهذا الرقم يمكن إطعام قارات، أو إعادة إعمار مدن، أو على الأقل شراء صمت
العالم لبرهة. لكنه هنا رقم يُستخدم كسوط في معركة نفوذ، لا كعلاج لجرح.
السخرية
أن الإنسان العادي، الذي يقرأ هذا الخبر في صحيفة أو على شاشة هاتف متشقق،
لا يعرف أين يضع تعاطفه. هو بالكاد يملك تعويض نهاية خدمته، بينما يتجادل
عمالقة التكنولوجيا حول تعويضات بحجم ميزانيات دول.
في زمن سابق، كان
الأثرياء يتشاجرون على الأرض. اليوم يتشاجرون على المستقبل نفسه. على من
يملك مفاتيح العقل الصناعي، ومن يحق له أن يقرر ما هو «آمن» للبشرية.
العالم هناك، تحت الأنقاض، وفي قوارب الهجرة، وفي نشرات الأخبار التي لا تُحدث ضجة.
وهؤلاء في معركة فوق السحاب، حيث تُقاس الأخطاء بالمليارات، وتُناقش الأخلاق في قاعات المحاكم، لا في ضمير الإنسان.