سلطان الحطاب يكتب : الملك يعرب جملة الجيش
إطلاق لقب صفة "المصطفوي" على الجيش العربي، ليس صدفة، بل فيه كل المعنى والدلالة فهي صفة من المصطفى أي النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وهو الذي اصطفاه الله من بين خلقه وخصه بالخلق الحميد والمناقبية العالية،( وانك لعلى خلق عظيم)، ...
"المصطفوي" صفة للجيش الذي انطلق من بطحاء مكة وما تحمله وصية الرسول (صلى الله عليه وسلم) التي حمّلها الرسول لأسامة بن زيد بن حارثة، الذي أمره الرسول (صلى الله عليه وسلم) على الجيش، ووجه له الرسالة رغم أنه ليس أكبر القادة في صحابته أو أمهرهم، وإنما أراد من ذلك رمزية ودلالة كان يحملها أسامة كشاب عاش في بيت الرسول وتتلمذ على يديه، ولأن والده كان شهيداً من شهداء مؤتة وأول من دشن معنى الشهادة خاصة في اطار الجزيرة العربية في رفع راية الإسلام والسعي بها، وهنا لا بد أن يحمل المسلمون رسالة سامية في التعامل مع الآخرين في سنن الحرب وقيمها ودلالاتها في وصف بشاعة الحرب وسوء ما تنتج، وهو ما توقف عنده العرب من قبل في قصيدة زهير ابن أبي سلمى، الشاعر الجاهلي، الذي وصف الحرب بأقذع الصفات، وأنها تجلب الويلات والشؤم.
أراد جلالة الملك عبد الله الثاني لقواته المسلحة أن تكون نوعية مميزة لجهة تركيبتها العملياتية والنفسية والقيمة، فالدلالة ليست بالكثرة، وإنما بالإرادة والعزيمة، وكم فئة قليلة هزمت فئة كبيرة وانتصرت بعد صبر وتوفر إرادة.
أراد الملك عبد الله الثاني وهو الذي يؤمن بان غداً هو اليوم وأنه لا بد أن يكون مبكراً، فالملك ليس صبوراً على الإنجاز وإنما يريده ماثلاً دائماً ولذا أعطى مهلة ثلاث سنوات لإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية، كينونة جديدة وبمواصفات مميزة من القدرة والإرادة والفنون القتالية واستيعاب التكنولوجيا والقدرة على استخدامها الأمثل، وأن تكون هذه السنوات كافية لتوليد قوات مسلحة نابضة بالحيوية والقدرة على التنافس في مصاف الجيوش النوعية والمميزة، وقد ظلت هذه الصفات لازمة، فظل الملك يمنحها عبر المحطات الكافية، ولكن الظروف التي عاشها الأردن والمنطقة خاصة قيام النكبة وقبل ذلك إعلان الاستقلال وتعريب قيادة الجيش، لم تكن الظروف مواتية لذلك، وهذا ما دفع الملك الحسين للقول ذات يوم:، كنت أحلم أن أمتلك قوات مسلحة نوعية تحافظ على الاستقلال وتصونه وتحميه، وكنت قد استدعيت رئيس الوزراء توفيق أبو الهدى وطلبت منه أن تبدأ في بناء حياة سياسية و.... يترتب عليها امتلاك قراراتها وتعريب قيادة جيشنا، فنظر إليّ وقال هل تسمح لي يا سيدي أن أذهب لأسأل المعتمد البريطاني إن كان يوافق على ذلك، فقال الملك ساعتها، أدركت أنني لا أملك من الإرادة ما يكفي، وكان علي أن انتظر ثلاث سنوات أخرى لأكون قادراً على تعريب قيادة الجيش، وبالفعل، قمت في آذار من عام 1956 بطرد كلوب باشا قائد الجيش آنذاك، وأعلنت تعريب قيادة الجيش وأدركت أنني أمتلك القوة التي أستطيع أن أنطلق منها لمواصلة البناء، ومضيت، ولكننا واجهنا سوء فهم لمواقفنا، فقد احتشدت في مواجهتنا تحديات جسام واضطرابات وكان تمرد عام 1957 من حكومة النابلسي التي جرى حلّها، ثم احدثت بمراجعة قوية وأدركت أن المنطقة كلها تتحرك على بحيرة من الرمال، ثم ما لبثت أن وقعت حرب عام 1967، فخسرنا الضفة الغربية المحتلة وشرق القدس، ودخلنا في صراعات ما زالت مستمرة لإزالة آثار العدوان، ولم توفق قرارات التنسيق والعمل العربي المشترك، وغرقنا بمزيد من التحديات العربية، ودخلنا حرب أكتوبر وإلى اتفاقيات سلام في اوسلو والنتائج معروفة".
رحل الحسين وهو يدرك أسباب وطعم الخذلان ووهن القرارات العربية وضعفها، وأخذ على عاتقه مهمة بقاء الجيش العربي، ولم يدخر جهداً في ذلك،... ليدرك الملك عبدالله الثاني من خلال موقعه الاحترافي كضابط محترف وصاحب تجربة عميقة ودراية، اشتراطات ذلك، وأن الجهد المبذول يجب أن يكون في مدة معقولة وأن النتائج لا بد أن تكون مضمونة، وبدأ التخطيط لذلك إلى أن وصلت القناعة الملكية لجدولة القوات المسلحة وبناء قوات نوعية نعتز بها، وجاءت لحظة الانطلاقة والرسالة التي خاطب فيها الملك رئيس هيئة أركان جيشه بلغة التواضع القائم من العقيدة، فكان الأمر الذي صدع له رئيس الأركان بضرورة الإنفاذ بسرعة ووعي ودراية ووضع كل المقدرات في خدمة ذلك وبدأت الورشة التي ستستمر ثلاث سنوات لتؤتي أكلها طيباً جذرها ثابت وفروعها في السماء.
وكانت المرحلية قد حددت في الرسالة الهامة التي تحتاج إلى مزيد من القراءة والتحليل والفهم.
وفي الرسالة حشد من مفاهيم الثقافة العسكرية الحديثة والمميزة والدلالات والكشف عن العلاقة العميقة بين الملك وجيشه الذين هم إخوانه وأولاده من منتسبي قواته المسلحة عاملين ومتقاعدين، وقد ظل يوليهم كل عنايته ويلتقيهم ويعيش ذكرياته معهم ويحرك فيهم مكامن حبهم لوطنهم وتضحياتهم من أجله، وظل الود والتقريب هما العقيدة الأساس في التعامل معهم.
وظل الملك يشرف بقواته وهي تتشرف به بكل معنى الكلمة، وظلت علاقة الملك بالمؤسسة العسكرية لا تشبهها أي علاقة من العلاقات الوطنية وظلت المؤسسة العسكرية في الصدارة، مكانة واهتماما، وظل السياق العام في الكلام مفهوما وفي لغة واضحة ومباشرة بعيدة عن الحشو أو المجاملة، فاللحظات العسكرية لا بد أن تكون واضحة كالأمر العسكري لا لبس فيه ولا ارتجال.
لا نريد ان نتحدث عن فائض قدرات الجيش العربي لانتصاره للقضايا العربيةوفي كل مكان كان يتطلب نخوة أردنية، أو سماع صوت بساطير الجند الأردنيين على أسوار القدس وفي معارك باب الواد.
يدخل الملك بالعسكرية الأردنية مرحلة جديدة هي مرحلة تغليب المصالح و النصر على الوهن والتراجع والتردد، لتكون قواتنا المسلحة بحجم طموحاتنا وطموح قائدنا في زمن لايرحم المترددين والذين لايعدون كامل العدة.
هنيئاً لقائدنا وجيشنا وقيادته هذا المشروع الذي لا بد من التبشير به وعلى بركة الله.