غلاء القرالة : صادراتنا… بلغة القوة
تواصل الصادرات تسجيل أداء لافت يعكس متانة القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني وقدرته على التكيف والصمود أمام التحديات الاقتصادية العالمية، وما رافقها من تباطؤ بالنمو وارتفاع كلف الإنتاج والطاقة، وصولا إلى اضطراب سلاسل التوريد وتراجع الطلب في عدد من الأسواق التقليدية، فما معنى ارتفاع الصادرات بهذه النسب؟.
نتائج التجارة الخارجية للمملكة خلال عام 2025، ولا سيما بالأشهر الإحد عشر الأولى، تقدم قراءة إيجابية تتجاوز مجرد الأرقام، لتؤكد أن الاقتصاد الأردني يسير بخطى واثقة نحو تعزيز تنافسيته الخارجيةوتنويع أسواقه، رغم محدودية الموارد وارتفاع كلف الطاقة الناتجة عن ندرتها في المملكة.
نمو الصادرات الوطنية بنسبة تجاوزت 9% خلال أحد عشر شهرا، وبلوغ قيمتها ما يقارب 8.7 مليار دينار، لم يكن نمو عابر أو ظرفي، بل جاء مدفوعا بقطاعات إنتاجية استراتيجية أثبتت قدرتها على اختراق الأسواق العالمية، وفي مقدمتها الأسمدة الكيماوية، والفوسفات والبوتاس، والصناعات الدوائية، إضافة إلى الحلي والمجوهرات الثمينة، وهذه القطاعات عكست تطورا في القيمة المضافة للمنتج الوطني.
الأداء اللافت في شهر تشرين الثاني وحده، يحمل دلالة مهمة على تحسن هيكل التجارة الخارجية، وليس توسعها فقط حيث ارتفعت الصادرات الوطنية بنحو ربع قيمتها مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وتراجعت المستوردات، ما أدى إلى انخفاض العجز التجاري بما يقارب الربع، وكما أن ارتفاع نسبة تغطية الصادرات للمستوردات إلى 60 % في هذا الشهر، مقارنة بـ48% قبل عام، ما يعكس تحسنا ملموسا في قدرة الاقتصاد على تمويل مستورداته.
المنتج الأردني أستطاع أن يحافظ على تنافسيته في الأسواق الخارجية، مستندا إلى الجودة، والالتزام بالمواصفات والأنجازات المتراكمة للقطاعات التصديرية الأردنية، وهو ما يؤكد أن الاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا والسياسات الصناعية كان رهانا ناجحا، حيث سجلت الصادرات إلى منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى قفزات غير مسبوقة، لا سيما إلى السوق السورية، التي تضاعفت الصادرات اليها عدة مرات.
كما أن توسع الصادرات لدول آسيوية غير عربية، مثل الهند، وإلى أسواق أوروبية من بينها إيطاليا، يؤكد نجاح الأردن في تنويع وجهات صادراته، وتقليل الاعتماد على أسواق تقليدية بعينها، وهو ما يعزز مناعة الاقتصاد بمواجهة التقلبات الدولية، وفي المقابل فإن التراجع الطفيف بالصادرات لبعض أسواق أمريكا الشمالية لا يقلل من الصورة العامة الإيجابية بقدر ما يفتح المجال لإعادة تقييم الأدوات الترويجية والاتفاقيات التجارية مع تلك الدول.
خلاصة القول، أرقام الصادرات الوطنية أصبحت شهادة على قدرة الاقتصاد الأردني على التحدي والتقدم، وعلى نجاح السياسات الاقتصادية في تعزيز الإنتاج والتصدير، رغم شح الموارد وارتفاع الكلف، وهو ما يؤكد أن الأردن قادر على تحويل التحديات إلى فرص، وبناء اقتصاد قوي ومتين، يواصل حضوره في الأسواق العالمية بثقة واقتدار.