الأخبار

د. سمير صابر بينو : من الاستجابة إلى الاستباق: دلالات إعادة هيكلة الجيش العربي

د. سمير صابر بينو : من الاستجابة إلى الاستباق: دلالات إعادة هيكلة الجيش العربي
أخبارنا :  

يتسم المشهد الأمني الإقليمي والدولي اليوم بتقلب وتشابك متزايدين، مما يرفع مستوى عدم اليقين ويجعل مسارات التطور والاتجاه أقل وضوحاً. وفي هذا الإطار، تأتي توجيهات جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله بإعادة هيكلة الجيش العربي كخطوة استراتيجية لمواكبة التحولات. كما أن توقيت هذه التوجيهات يعكس بُعداً استشرافياً؛ فهي تأتي مبكراً لضمان الاستعداد قبل أن تتفاقم التحديات. ومع تسارع المتغيرات وتداخل مصادر التهديد، يصبح تطوير البنية والقدرات ضرورة لحماية الجاهزية، لا خياراً يمكن تأجيله. وبذلك تُجسّد إعادة الهيكلة انتقالاً من الاكتفاء بردود الأفعال إلى بناء استعداد مرن قادر على التكيف مع المستقبل.
ويقصد بإعادة الهيكلة حسب ما وردت في التوجيهات الملكية إعادة مواءمة المهام والموارد والبنية التنظيمية ونظم القيادة والتدريب، بما يضمن تحسين الأداء ورفع الجاهزية ضمن رؤية شاملة. ويسهم ذلك في تعزيز الردع وحماية الأمن الوطني، عبر رفع القدرة على منع التهديد قبل وقوعه، واحتوائه بسرعة وفاعلية إذا ظهر، مع ضمان استمرارية عمل المؤسسات وحسن إدارة الموارد في الظروف المتغيرة. كما أن الجاهزية الحديثة لا تُقاس بالعتاد وحده، بل تقوم على منظومة متكاملة تشمل عنصر الإنسان (الاختيار والتأهيل وتطوير المهارات) وتحديث التقنيات والقدرات وتكامل القرار والاتصال والاستدامة اللوجستية والقدرة على الانتشار السريع وفق متطلبات الموقف.
وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل تغيّر طبيعة التهديدات التي تواجه قواتنا المسلحة؛ إذ لم تعد محصورة في الأشكال التقليدية التي سادت في العقود السابقة، بل باتت أكثر تنوعاً وتعقيداً من حيث الحجم والنوع والأساليب، ما يستلزم قوات تمتلك مهارات حديثة وكفاءة تكنولوجية متقدمة ومرونة تشغيلية تُمكّنها من الاستجابة الفاعلة للتهديدات المستجدة. ومن هنا، تلجأ الدول إلى إعادة هيكلة مؤسساتها العسكرية عندما تدرك أن بيئة الأمن والدفاع لم تعد ثابتة، وأن البُنى التقليدية قد لا تكفي لمواجهة المخاطر المركّبة؛ فتعمل على تحديث منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات والاستطلاع وتطوير العقيدة والتدريب والتعليم وتعزيز التكامل بين الأفرع والأجهزة وتحسين الحوكمة وترشيد الموارد ورفع سرعة الاستجابة. كما يعزز هذا التحديث قابلية العمل المشترك والتنسيق مع الشركاء والحلفاء ضمن معايير تشغيلية أكثر تطوراً.
وختاماً، فإن إعادة هيكلة الجيش العربي لا تُقرأ كإجراء تنظيمي داخلي، بل كتحوّلٍ استراتيجي في فلسفة إدارة الأمن الوطني؛ من ردّ الفعل إلى الاستباق، ومن معالجة النتائج إلى تقليل احتمالات الخطر قبل تشكّله. وهي إعادة مواءمة شاملة للمهام والموارد وبُنى القيادة والتدريب، بما يعزّز الجاهزية بوصفها منظومة متكاملة قوامها الإنسان والتقنية والقرار واللوجستيات وسرعة الانتشار. وفي بيئةٍ تتغير فيها طبيعة التهديدات وتتقاطع فيها أدواتها، يصبح الاستثمار في المرونة التشغيلية والحَوكمة والكفاءة شرطاً لحماية الاستقرار، لا خياراً يمكن تأجيله.
وتحمل هذه التوجيهات، في الوقت نفسه، دلالة مهمة مفادها أن تجربة الدولة في إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية كانت ناجحة وحققت أهدافها؛ إذ أسهمت في رفع مستوى الجاهزية، وتحسين الكفاءة، وتعزيز القدرة على التعامل مع التحديات المتغيرة. ومن ثمّ، فإن توسيع هذا النهج ليشمل الجيش العربي يأتي استكمالاً لمسارٍ إصلاحي استباقي أثبت فعاليته، ويعكس التزام الدولة بالتطوير المستمر بدل الاكتفاء بالاستجابة الظرفية. وبذلك تتحول المؤسسة العسكرية إلى جاهزية تُدار قبل الأزمة، بما يحفظ الاستقرار ويصون المصالح الحيوية للدولة. فالأمن المستدام يُبنى قبل الحدث، لا يُستدرك بعده. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك