الأخبار

فراس النعسان : عالم يرى ولا يفهم

فراس النعسان : عالم يرى ولا يفهم
أخبارنا :  

في عالمٍ يتقن صناعة الضجيج أكثر مما يتقن صناعة المعنى، لم يعد الحدث السياسي يُقاس بما يقوله القادة، بل بما يلبسونه، ولا تُقرأ الخطابات بوصفها نصوصًا فكرية، بل تُختزل في إكسسوار عابر أو تفصيل بصري سريع الزوال. هكذا، بكل بساطة، تحوّلت نظارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في منتدى دافوس إلى «حدث»، بينما تسرّبت كلماته من الوعي العام كما يتسرّب الماء من بين الأصابع.
ليست المشكلة في النظارة، ولا في ماكرون، ولا حتى في دافوس ذاته، بل في هذا العقل العالمي الجديد الذي صار يرى ولا يفهم، يلتقط الصورة ولا يلتقط الدلالة، يحفظ الشكل وينسى المعنى. نحن أمام ثقافة سياسية بصرية، لا معرفية؛ ثقافة تُنتج «الترند» أكثر مما تُنتج الوعي، وتُضخّم الهامش حتى يبتلع المتن.
في زمن سابق، كانت السياسة تُقرأ من خلال الخطاب، من خلال اللغة، من خلال البنية الفكرية للرسائل، من خلال ما يُقال بين السطور. اليوم، تُقرأ من خلال «اللقطة»، من خلال زاوية الكاميرا، من خلال تفصيل شكلي قابل للتداول السريع، قابل للاستهلاك اللحظي، قابل للنسيان السريع أيضًا. السياسة لم تعد نصًا يُفكَّك، بل صورة تُمرَّر.
خطاب ماكرون في دافوس – بغضّ النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه – كان محمّلًا برسائل اقتصادية، وقراءات للنظام الدولي، ومقاربات للحوكمة، وتحذيرات من اختلالات النظام العالمي. لكنه دخل الفضاء الرقمي مُفرغًا من محتواه، بعد أن أُعيد تعريفه كـ»ترند نظارة»، لا كنص سياسي. وهنا تحديدًا تكمن المأساة: حين تتحوّل السياسة إلى مادة ترفيه، والفكر إلى خلفية ضبابية، والرسائل الكبرى إلى هامش صغير.
هذه ليست تفاهة عابرة، بل بنية كاملة من «التسطيح العام». تسطيح الوعي، تسطيح النقاش، تسطيح الإدراك. عالم يُدرّب جمهوره يوميًا على النظر بدل الفهم، وعلى التفاعل بدل التفكير، وعلى الاستهلاك بدل التأمل. عالم يُنتج مواطنًا بصريًا لا مواطنًا معرفيًا.
الأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة لا تُقصي فقط الخطاب السياسي، بل تُقصي فكرة السياسة نفسها كفعل عقلاني. تتحوّل السياسة إلى مسرح رمزي، إلى عرض بصري، إلى سلسلة إشارات شكلية، بينما تُدار القرارات المصيرية في عمق لا يراه أحد، ولا يناقشه أحد، ولا يسأل عنه أحد.
ليست القضية في نظارة ماكرون، بل في نظارتنا نحن إلى العالم. في زاوية الرؤية المختلّة. في عدسة الإدراك المشروخة. في الطريقة التي نستهلك بها السياسة كما نستهلك الإعلانات، ونستقبل الخطابات كما نستقبل المقاطع الترفيهية.
نحن لا نعيش أزمة محتوى، بل أزمة وعي. لا نعيش فقر معلومات، بل فقر تأويل. لا نعيش غياب خطاب، بل غياب أذن تستمع، وعقل يُفكّر، ووعي يُحلّل.
وحين تصبح النظارة أهم من الخطاب، فإن المشكلة لم تعد في القادة بل في الجمهور. وفي الثقافة. وفي الزمن نفسه.

مواضيع قد تهمك