الأخبار

حلمي الحراحشة : حين يتكلم رجال الدولة: الإشاعة سلاح… والوعي هو الرد

حلمي الحراحشة : حين يتكلم رجال الدولة: الإشاعة سلاح… والوعي هو الرد
أخبارنا :  

في مرحلة إقليمية مضطربة، تتعرض فيها الدول لاختبارات قاسية لا تقل خطورة عن الحروب التقليدية، لم تعد الإشاعة فعلًا عابرًا أو رأيًا عشوائيًا، بل تحولت إلى سلاح منظم في حروب الوعي، تقوده جيوش الذباب الإلكتروني، بهدف ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، وإضعاف الجبهة الداخلية عبر التضليل وبث الإحباط والتشكيك.

في هذا السياق، جاءت رسالة دولة رئيس مجلس الأعيان، فيصل عاكف الفايز، واضحة وصريحة، محذّرة من هذا الخطر المتنامي، وداعية إلى الوقوف صفًا واحدًا في مواجهة هذا النهج المنهجي المنظم، الذي لا يمكن النظر إليه على أنه اجتهادات فردية أو آراء عابرة، بل كجزء من أجندات خارجية تستهدف أمن الأردن واستقراره، مستغلة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها المنطقة بأسرها.

وحين يتكلم رجل دولة بحجم وخبرة دولة رئيس مجلس الأعيان، فإن الواجب الوطني يقتضي التوقف عند كلماته، والإنصات العميق لما تحمله من توجيه وتحذير في آن واحد. فحديثه لا يصدر عن انفعال أو مزاودة، بل عن تراكم تجربة سياسية ووطنية طويلة، واطلاع واسع على طبيعة التحديات التي تواجه الدولة، وما يُحاك في الخفاء لاستهدافها. ومن هنا، فإن هذه الرسالة تمثل بوصلة وعي، ودعوة صادقة لتعزيز مناعة الداخل، لا سيما في هذا التوقيت الحساس.

إن خطورة الذباب الإلكتروني لا تكمن فقط في حجم ما ينشره من معلومات مضللة، بل في قدرته على استغلال لحظات القلق العام، وتضخيم الأخطاء، وتحويل التحديات الطبيعية التي تواجهها أي دولة إلى أدوات تشكيك وهدم معنوي. وهنا يصبح الوعي الوطني خط الدفاع الأول، وتتحول المسؤولية من كونها أمنية فقط إلى مسؤولية مجتمعية وإعلامية وأخلاقية مشتركة.

وفي هذا الإطار، لا بد من التأكيد على أن الأردن يُعد من أوائل الدول في المنطقة التي أرست نهجًا متقدمًا في حرية الرأي والتعبير الهادف والنقد البناء، وهو ما نراه جليًا في شتى المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، حيث تُطرح الآراء، وتُناقش السياسات، ويُمارس النقد المسؤول ضمن إطار القانون واحترام الثوابت الوطنية. وهذه المساحة الواسعة من الحرية ليست موضع ضعف، بل عنصر قوة، وركيزة أساسية لتعزيز الثقة ورفع مستوى الوعي المجتمعي.

إن المطلوب اليوم أن تكون هذه الحرية رديفًا منيعًا في وجه كل من تسول له نفسه الإساءة للأردن أو العبث بأمنه واستقراره، لا أن تتحول إلى أداة في يد من يتخفون خلف شعارات زائفة لتشويه الصورة وبث الفتنة.

لقد أثبت الأردن، عبر تاريخه، أنه دولة تمتلك مناعة سياسية واجتماعية عالية، بفضل قيادته الهاشمية الحكيمة، وقربها الدائم من نبض الشارع، وحرصها على التوازن بين متطلبات الإصلاح والحفاظ على الاستقرار. وهذا ما أفشل مرارًا محاولات التشويش والتشكيك، مهما اختلفت أدواتها وتبدلت أساليبها.

إن الوقوف في وجه حملات الذباب الإلكتروني لا يعني تكميم الأفواه أو مصادرة الرأي، فالأردن كان وسيبقى دولة تحترم الرأي المسؤول والنقد البناء، لكنه في الوقت ذاته يرفض الفوضى الإعلامية، وخلط النقد بالإساءة، والاختلاف بالتحريض، والمعارضة بالتشكيك بالثوابت الوطنية.

اليوم، نحن أحوج ما نكون إلى خطاب وطني عقلاني، يميز بين النقد والإسقاط، وبين المطالبة بالإصلاح وخدمة أجندات مشبوهة. فالوطن لا يُحمى بالصمت، ولا يُخدم بالفوضى، بل بالوعي، والانتماء الصادق، والالتفاف حول الدولة ومؤسساتها.

الأردن سيبقى، كما كان دائمًا، أقوى من الإشعات، وأصلب من حملات التشويه، لأن وحدته الوطنية كانت وستظل السد المنيع في وجه كل من يحاول العبث بأمنه أو النيل من تماسكه.

مواضيع قد تهمك