الأخبار

د. خالد الشقران : الحلول الذكية لمدن نظيفة

د. خالد الشقران : الحلول الذكية لمدن نظيفة
أخبارنا :  

مع إطلاق الحكومة البرنامج التنفيذي للاستراتيجية الوطنية للنظافة والحد من الإلقاء العشوائي للنفايات للعامين 2026–2027، يتقدم الأردن خطوة مهمة نحو معالجة واحدة من أكثر الظواهر التصاقا بالحياة اليومية للناس وبصورة المدن وبجودة العيش، غير أن جوهر التحدي يتجاوز البنية التحتية وأدوات الجمع والرقابة، ليصل إلى عمق السلوك الاجتماعي والثقافة العامة التي تحكم علاقة الفرد بالفضاء المشترك.

التوعية تشكل العمود الفقري لأي تحول حقيقي في هذا الملف، لكن التوعية المطلوبة اليوم تختلف عن الأساليب التقليدية التي اعتمدت لعقود. التجارب الدولية الناجحة تظهر أن تغيير السلوك البيئي يرتكز على الابتكار في الرسائل والأدوات، وعلى الانتقال من الوعظ إلى بناء منظومة قيم تجعل النظافة جزءا من الهوية الفردية والجماعية، وعليه فإن تغيير السلوك البيئي يتحقق حين يصبح رمي النفايات فعلا مرفوضا مجتمعيا، وحين يشعر الفرد أن المجتمع كله يراقب هذا السلوك ويضعه في خانة الاعتداء على الحق العام، هذا التجريم المجتمعي، حين يقترن بالتشريع والرقابة، يخلق تحولا عميقا ومستداما.

التوعية الذكية والابتكارية يمكن أن تشكل مفتاحا مهما خاصة إذا كانت قادرة على إعادة تعريف القيم المرتبطة بالنظافة، ففي اليابان، على سبيل المثال، لا تعتمد المدن على عدد كبير من عمال النظافة في الشوارع، بل على ثقافة مجتمعية صارمة تشكلت منذ المدرسة، حيث يقوم الطلبة بتنظيف صفوفهم وساحاتهم يوميا؛ ما يرسخ منذ الصغر فكرة أن المكان العام مسؤولية الجميع، وهو ما انعكس لاحقا في المدن، حيث بات الإلقاء العشوائي سلوكا شاذا يواجه استنكارا اجتماعيا مباشرا.

وفي سنغافورة، جمعت الدولة بين القانون الصارم والتجريم المجتمعي، حيث فرضت غرامات مرتفعة على رمي النفايات، لكنها في الوقت ذاته استثمرت بكثافة في الحملات التي تربط النظافة بصورة الدولة المتقدمة والانضباط المدني، مع الوقت تحول الالتزام بالنظافة إلى مصدر فخر وطني، وانتقلت المدينة من واحدة من أكثر مدن آسيا تلوثا في ستينيات القرن الماضي إلى نموذج عالمي في النظافة والنظام.

تجربة أخرى لافتة برزت في بعض المدن الأوروبية، حيث اعتمدت البلديات على ما يعرف بعدوى النجاح، فتم اختيار أحياء محددة، وتطبيق برامج مكثفة فيها تشمل التوعية المباشرة، والفنون الجدارية، والمبادرات التطوعية، والمكافآت الرمزية للسلوك الإيجابي، وحين ظهرت نتائج ملموسة، جرى نقل النموذج إلى أحياء أخرى، مدفوعا برغبة السكان في محاكاة التجربة وعدم الظهور بمظهر المتخلف عنها.

حتى في دول نامية، نجحت بعض المدن في إحداث تحول نوعي عبر إشراك المجتمع المحلي والقيادات الدينية والإعلام، ففي رواندا باتت النظافة جزءا من الخطاب الوطني بعد اعتماد يوم شهري للعمل التطوعي الجماعي، يشارك فيه المسؤول والمواطن، بيد أن ممارسة هذه الطقوس الجماعية عززت الشعور بالمسؤولية المشتركة، وغيرت علاقة الناس بالشارع والحي.

إلى جانب التوعية وتغيير السلوك، تبرز تجارب خصخصة قطاع النفايات كأحد مسارات النجاح العالمية، حيث قامت دول عديدة بإشراك القطاع الخاص في إدارة وجمع ومعالجة النفايات ضمن أطر تنظيمية صارمة، ما أسهم في رفع الكفاءة وخفض الكلف وتحسين جودة الخدمة، وقد لعبت الشركات المتخصصة في ألمانيا وهولندا دورا رئيسيا في تطوير منظومات الفرز وإعادة التدوير، وتحويل النفايات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي، وفي بعض المدن الإسبانية واللاتينية، أسهمت الشراكات بين البلديات والقطاع الخاص في تحديث الأساطيل وتحسين الالتزام بالمواعيد وتعزيز الرقابة، مع الحفاظ على الدور الإشرافي للدولة.

بيد أن نجاح الخصخصة في هذا القطاع ارتبط دوما في التجارب الدولية بشفافية العقود، ووضوح مؤشرات الأداء، وربط العائد المالي بتحقيق نتائج بيئية ملموسة، فحين يدرك المواطن أن الخدمة أكثر انتظاما وأن المدينة أنظف، تتعزز ثقته بالمنظومة ككل، ويتراجع السلوك السلبي تدريجيا.

الأردن يمتلك اليوم فرصة حقيقية لاستلهام هذه النماذج، وتكييفها مع خصوصيته الثقافية والاجتماعية. المساجد والمدارس والإعلام والمجالس المحلية قادرة على لعب دور محوري في بناء تجريم مجتمعي للإلقاء العشوائي، ونقل قصص النجاح من مدينة إلى أخرى، وفتح المجال أمام شراكات مدروسة مع القطاع الخاص، الأمر الذي يمكن أن يساعد في تعزيز القناعة بأن التغيير ممكن وبأن الالتزام قيمة جامعة.

ومع أن البرنامج التنفيذي الحكومي يضع الأساس، غير أن نجاحه يتوقف على قدرة المجتمع والدولة معا على خوض معركة وعي طويلة النفس، وكسب هذه المعركة يعني حماية الصحة العامة، وتحسين صورة المدن، ودعم السياحة، واقتصادا دائريا واعدا. ــ الراي

مواضيع قد تهمك