د. محمد كامل القرعان : الأردن نموذج استقرار وقيادة استراتيجية في الشرق الأوسط
القمة الأردنية–الأوروبية، التي عقدت في عمّان اخيرا، ليست مجرد اجتماع دبلوماسي روتيني؛ فهي تجسيد للسياسة الاستباقية للمملكة بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، وجهود الحكومة الأردنية لبناء الثقة الدولية، واستثمار الشراكات الاستراتيجية لتحويل التحديات إلى فرص. ومن خلال الإصلاحات الحكومية، وتعزيز مشاركة الشباب والمرأة، ودعم برامج الحماية الاجتماعية، يثبت الأردن نفسه كمركز استقرار إقليمي ونموذج قيادي قادر على التعامل مع تعقيدات الشرق الأوسط بحكمة ورؤية مستقبلية، ما يعكس عمق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وأهميتها في تعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة.
والقمة اكدت قدرة الأردن على إدارة الأزمات الإنسانية الكبرى. إذ استضافت المملكة ملايين اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، ووفرت لهم التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية، بالتنسيق الوثيق مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والشركاء الأوروبيين. وتُظهر هذه الجهود التزام الأردن الثابت بمبادئ التضامن الإنساني، وقدرته على تقديم حلول عملية وفعالة، مما عزز مكانته كشريك موثوق على المستوى الدولي في مجالات الإغاثة والعمل الإنساني.
وعلى صعيد الأمن والاستقرار، لعب الأردن دورًا محوريًا في تعزيز السلام في المنطقة. فقد جددت القمة التزام المملكة بحل الدولتين للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ودعم الانتقال السلمي في سوريا، والحفاظ على سيادة لبنان وسلامة أراضيه. كما أظهرت المملكة قيادة فاعلة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب، بالتعاون مع وكالات الاتحاد الأوروبي، ما يعكس قدرة الأردن على حماية أمنه الوطني والإقليمي بفعالية.
وجاء التعاون الاقتصادي والتنمية المستدامة في صدارة اهتمامات القمة. وتم تسليط الضوء على المشاريع الكبرى التي تقودها الحكومة الأردنية، بما في ذلك مشروع الناقل الوطني للمياه لربط العقبة بالعاصمة عمان، ومبادرات الطاقة المتجددة والتحول الأخضر في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين منخفض الكربون، بما يعزز خطة المملكة للتحول نحو اقتصاد مستدام. إلى جانب ذلك، وفّرت برامج التعاون مع الاتحاد الأوروبي، مثل "أفق أوروبا" و"أوروبا الإبداعية"، فرصًا واسعة للشباب الأردني للابتكار والتدريب والبحث العلمي، ما يسهم في بناء جيل جديد قادر على المنافسة عالميًا.
وشددت القمة على أهمية تعزيز التجارة والاستثمار، من خلال تطوير بيئة الأعمال، وتسهيل وصول الشركات الأردنية إلى الأسواق الأوروبية، وجذب الاستثمارات في القطاعات الاستراتيجية. وأكد الطرفان على أهمية التحضير لمؤتمر الأردن–الاتحاد الأوروبي للاستثمار في نيسان 2026، وتوجيه أنظار القمة المقبلة في بروكسل عام 2028 لتعميق التعاون الاستراتيجي على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وتبرز هذه القمة أكثر من أي وقت مضى قوة الأردن في المنطقة، ليس فقط من خلال إدارة الأزمات والتحديات، بل عبر سياسات واضحة لدعم التنمية المستدامة، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، وتمكين الشباب والمرأة، بما يجعل المملكة نموذجًا للقيادة الرشيدة والفاعلة على صعيد الشرق الأوسط.