الأخبار

رجا طلب : إيران وواشنطن... حرب على حافة "النموذج العراقي"!!

رجا طلب : إيران وواشنطن... حرب على حافة النموذج العراقي!!
أخبارنا :  

رغم التصعيد المتكرر في الخطاب السياسي بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة ثانية، فإن المشهد الإقليمي لا يعكس حتى الآن استعدادًا فعليًا لحرب شاملة بقدر ما يعكس رغبة في إدارة دقيقة لمواجهة عند حافة الانفجار، فما يجري هو اختبار مستمر لمعادلات الردع بين الجانبين، ومحاولة مدروسة من كل طرف لدفع خصمه إلى التراجع دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة ذات كلف غير محسوبة.

هذا التوازن الهش يبقى قابلًا للانكسار في أي لحظة، سواء نتيجة ضربة إسرائيلية مباشرة تستهدف عمق البرنامج النووي الإيراني، أو نتيجة سقوط قتلى أميركيين بأعداد كبيرة في سياق مواجهة غير مباشرة، أو بسبب خطأ في الحسابات في بيئة إقليمية مشحونة تتآكل فيها قنوات الضبط والسيطرة، وعليه، فإن الحرب ليست حتمية، لكنها لم تعد مستبعدة اطلاقا.

من الزاوية العسكرية، تبدو موازين القوى غير متكافئة بوضوح، فاسرائيل والولايات المتحدة تمتلكان تفوقًا جويًا واستخباراتيًا نوعيًا، وقدرة على تنفيذ ضربات دقيقة قادرة على شلّ أجزاء واسعة من البنية التحتية العسكرية الإيرانية خلال فترة زمنية قصيرة، فواشنطن تحديدًا قادرة على إضعاف القدرات التقليدية الإيرانية وإلحاق أضرار جسيمة بمنظومتها الدفاعية والاقتصادية، لكنها في المقابل لا ترغب في خوض حرب طويلة أو إدارة دولة بحجم وتعقيدات الوضع الداخلي "الموزاييك" الايراني.

في المقابل، لم تبن إيران استراتيجيتها العسكرية على أساس تحقيق نصر حاسم في اي مواجهة، بل على اساس الصمود والاستنزاف، فهي تدرك حدود قدراتها التقليدية، لكنها عوّضت ذلك ببناء منظومة تعتمد على العمق الجغرافي، والقدرات الصاروخية الكمية، وأساليب الحرب غير المتكافئة، وجوهر العقيدة العسكرية الإيرانية يقوم على جعل كلفة الحرب مرتفعة إلى حد يدفع الخصوم إلى إعادة حساباتهم، لا على هزيمتهم عسكريًا.

ضمن هذا الإطار، يبدو سيناريو الضربات القاسية المتبوعة برد محسوب هو الأكثر ترجيحًا.. ضربات تستهدف مواقع أو منشآت محددة، يعقبها رد إيراني مدروس يحقق توازنًا بين حفظ ماء الوجه داخليًا وتجنب توسيع رقعة الصراع.

في هذا السيناريو، يخرج كل طرف بسرديته الخاصة: إسرائيل تثبت قدرتها على الضرب، الولايات المتحدة تضبط إيقاع التصعيد بعد دعم سيقدم لتل ابيب سواء أكان علنيا او استخباريا، وإيران تقدم نفسها كدولة صمدت أمام الضغوط ولم تُكسر.

أما سيناريو الحرب الإقليمية الواسعة، فهو غير وارد لأن حرباً كهذه ستتجاوز الاستهدافات الرمزية لتطال بنى تحتية حيوية، وتفتح الباب أمام اضطرابات في الطاقة والملاحة وارتفاعات حادة في أسعار النفط، مع ما يرافق ذلك من تداعيات اقتصادية عالمية. ومع ذلك، وحتى في هذا السيناريو، لا تظهر في واشنطن قناعة استراتيجية بإمكانية أو جدوى إسقاط النظام الإيراني بالقوة، في ظل ذاكرة اميركية للحالة العراقية بعد صدام حسين والتي ما زالت تلقي بظلالها على صناع القرار الأميركيين.

الحديث المتكرر عن سقوط النظام الإيراني نتيجة ضربة عسكرية خارجية يتجاهل طبيعة الأنظمة العقائدية وتجاربها التاريخية، فمثل هذه الأنظمة من الصعب سقوطها تحت القصف، بل تنهار عندما تتآكل شرعيتها الداخلية، وتنقسم نخبها السياسية والأمنية، ويعجز الاقتصاد عن تمويل منظومة الولاءات.

الحرب، رغم ما تسببه من ضغط اقتصادي واجتماعي، قد تمنح النظام الإيراني في الوقت ذاته فرصة لإعادة تعبئة الداخل وتشديد القبضة الأمنية تحت شعار "الدفاع عن الوطن" ومواجهة "الشيطان الأكبر".

وبموضوعية شديدة اقول إن نظام الملالي، على الرغم من أزماته العميقة، لا يزال يمتلك عناصر صمود حقيقية، تتمثل في جهاز أمني متماسك، وحرس ثوري ذي طابع عقائدي (تعداد الاجهزة الامنية الايرانية مع الشرطة مع الحرس الثوري يتجاوز المليوني عنصر)، ومعارضة داخلية غير قادرة حتى الآن على التحول إلى بديل منظم وقابل للحكم.

وفي ظل هذا الوضع فإن الخطر الأكبر على نظام الملالي لا يتمثل في الحرب بحد ذاتها، بل في استمرار الفشل الاقتصادي والاجتماعي في زمن السلم، حين تتراكم الضغوط دون وجود مبررات تعبئة وطنية، وفي المحصلة، فإن أي مواجهة عسكرية محتملة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة ثانية، ستكون على الأرجح مواجهة قاسية ولكن غير حاسمة، عالية الكلفة، وقصيرة نسبيًا في الزمن.

إسقاط النظام الإيراني لا يبدو هدفًا واقعيًا أو عمليًا في الحسابات الأميركية الحالية، فيما تركز إسرائيل على تعطيل المشروع النووي لا على إعادة تشكيل النظام السياسي في طهران، في الوقت الذي ستخرج فيه إيران من أي مواجهة مثقلة بالجراح وربما هذا هو المطلوب اسرائيليا واميركيا. ــ الراي

مواضيع قد تهمك