الأخبار

هزاع البراري : الأدرن وسوريا الجديدة: دور محوري في زمن التحولات

هزاع البراري : الأدرن وسوريا الجديدة: دور محوري في زمن التحولات
أخبارنا :  

هكذا أُعيد إنتاج الدور الأردني في المسألة السورية؛ فمنذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، ظلّ هذا الدور يتأرجح بين الظهور والغياب، وبين الفاعلية والخفوت، تبعًا لمتطلبات حماية الأمن الوطني الأردني. وعندما تراجع الجيش السوري السابق عن انتشاره في الجنوب، وبرز رأس تنظيم داعش وبعض الفصائل والمليشيات الإيرانية، كان لا بدّ للأردن من تثبيت وجوده على الأرض، عبر تفعيل علاقاته مع الديمغرافيا السورية في درعا ومحيطها، وصولًا إلى الحدود السورية–العراقية، ناهيك عن فاعلية العمليات الاستخبارية الاحترافية التي مكّنت الأردن من حماية حدوده ودرء الخطر المتربص ليل نهار.

لكن في السنوات الأخيرة، انصبت جهود الأردن على مراقبة الوضع في الجنوب السوري، ومكافحة عمليات تهريب المخدرات والأسلحة، وهي مواجهة يومية لا هوادة فيها. غير أن سقوط نظام الأسد، وتبدّل المشهد السوري كليًا، فرضا على الأردن مرحلة جديدة من التعاطي السياسي والأمني والعسكري، وهذه المرة بالشراكة والتنسيق مع الدولة السورية الجديدة، وبدعم عربي ودولي كبيرين. إنه دور تتزايد فاعليته، وتتزايد الحاجة إليه حتى داخل سوريا نفسها؛ لذا نشهد اليوم تنسيقًا أردنيًا–سوريًا فاعلًا ومتواصلًا، إدراكًا من الطرفين لأهمية التعاون وترسيخ العلاقات في مواجهة ما يُحاك للمنطقة من مؤامرات كبرى عبر البوابة السورية.

إن هذا الدور المحوري يتجاوز البناء السياسي الجديد، ولا يقتصر على التنسيق الأمني والعسكري فحسب؛ إذ إن الأردن، وبطلب من القيادة السورية الجديدة، يضع إمكاناته وخبراته الإدارية والفنية والاقتصادية في صلب جهود بناء الدولة السورية الجديدة، إدراكًا بأن هذا الدور يشكّل جوهر الاستقرار والتنمية في البلدين والمنطقة برمّتها.

واليوم نشهد بعدًا إضافيًا لهذا الدور؛ فالأردن بات محطة أساسية للاجتماعات الإقليمية والدولية المتعلقة بالمسألة السورية، وغدا بوابة للحلول المقترحة إزاء كثير من معضلاتها. وقد عزّز ذلك ثقة السوريين بالأردن، وتفضيلهم لدوره لأسباب متعددة، لعلّ أهمها وضوح واستقرار الموقف الأردني، وسرعة استجابته في التعاطي مع القيادة الجديدة ودعمها، إضافة إلى رسوخ الثقة بين الطرفين. غير أن هذا الواقع وضع الأردن في عين العاصفة بالنسبة للمليشيات الخاسرة والمتآمرة، فبدأت بالضغط عبر الحدود الرخوة من الجانب السوري، وازدادت وتيرة تهريب الأسلحة والمخدرات، إلى جانب محاولات شبه يومية لمجموعات مسلحة لاختراق الحدود، في مسعى لزعزعة الأمن، وتفريغ ما راكمته من خسائر سياسية وعسكرية واحتلالية.

إذًا، المواجهة متواصلة، والحسم من الجانب الأردني في تصاعد مدروس. ومع ذلك، فإن محورية الدور الأردني باتت أكثر وضوحًا، وصار العالم ينظر إلى سوريا من البوابة الأردنية، وتُناط بالأردن أدوار أساسية لحلحلة كثير من المفاصل المعقدة، والأخذ بيد النظام السوري الجديد نحو برّ الأمان، عبر طريق شائك وظروف بالغة التعقيد. فالجميع يدرك أن وحدة سوريا وسلامة أراضيها وأمنها ليست مسألة سورية فحسب، بل قضية أمن وطني وإقليمي، ذات ارتدادات مباشرة على الشرق الأوسط برمّته. وهو فهم أردني عميق لمآلات الواقع الراهن، وما قد ينتج عنه من تداعيات مدمّرة إن استمرّت الحالة على ما هي عليه من ضبابية واختلالات كبرى.

تشهد الساحة السورية تحولات متسارعة، وأحيانًا متناقضة، تؤخّر مسيرة بناء سوريا الجديدة، والبدء بجهود إعادة الإعمار التي تحتاج إلى عقود من العمل وأموال طائلة. نعم، المشهد معقّد على الأرض، وهناك حالة مفزعة من تداخل المصالح الخارجية في سوريا، وصراع نفوذ خفي وظاهر، يستثمر بعض مكونات الديمغرافيا السورية لإدامة نفوذ يخدم مصالح دول بعينها ويحقق مطامعها. ومن هنا، يأخذ الدور الأردني المحوري أبعادًا أكبر، تصبّ في مصلحة سوريا الموحّدة، القادرة على العودة من جديد إلى طريق بناء مستقبل أفضل للسوريين، بما يخدم مصلحة الإقليم عمومًا، والأردن خصوصًا.

مواضيع قد تهمك