الأخبار

م. فواز الحموري : الطرقات والأمطار

م. فواز الحموري : الطرقات والأمطار
أخبارنا :  

تبدو الطرقات جافةً قبل المطر، لكنها تترافق مع حكاية تكشف الكثير من العيوب، وخصوصًا الشخصية منها، حين لا يتم التعامل مع الطريق بأسلوبٍ يرقى إلى مستويات من النظافة الأخلاقية والسلوكية. فقطع الشارع مثلًا، والتعامل مع قيادة المركبات، والتقيّد بنظام السير، أمثلة حقيقية على التصرّف السليم والآمن، بدل رشق المشاة على أقلّ تقدير!.

من المناسب تضافر الجهود الرسمية والأهلية لتحقيق أكثر من هدفٍ وقائيٍّ وعلاجيٍّ وإداري؛ فالمسؤول الميداني هو المنشود للوقوف على أرض الواقع، والتعامل مع أي متطلب أو مطلب خدمي، والسير على طرقات العطاء المفعمة بروح الفريق المتعاون، القادر على حلّ المشكلات دون تبرير أو أعذار.

واقع الطرقات (والطريق تعني المسار أو السبيل الممهّد للسير عليه، سواء كان ماديًا مثل شارع، أو ممرٍّ يربط الأماكن) يحتاج إلى متابعة مستمرة؛ فبعض الطرقات ما زالت على حالها منذ سنوات طويلة، ويعاني مرتادوها من تحديات كبيرة. ولعلّ مصطلح الجاهزية يحتاج هو الآخر إلى مراجعة جوهرية؛ فبعض المناظر والمشاهد في الطرقات تشير إلى ذلك بوضوح.

الطرقات الخضراء (الريفية) تعاني المتاعب ذاتها من حيث الاهتمام والتعبيد وتلبية المطالب والخدمات صيفًا وشتاءً، وتحتاج إلى معالجة وطنية لحماية ودعم المزارعين، من خلال خدمات النقل والإنارة وبنودٍ عديدةٍ معروفة.

حُفَر الطرقات علاقةٌ وطيدة تكشفها الأمطار، وتثير أدوات الاستفهام: لماذا ذلك؟ ألا يكفي حفر البشر ومطبات المواقف والمحطات التي تعصف كالريح؟ ولماذا لا يتم ردم الحفر بشكلٍ متقن، بعطاءٍ طويل الأمد ونتائج ملموسة؟.

أدب الطرقات خُلُقٌ إنساني يليق بشهامة من يقدّر للطريق حقّه، من حيث الأصول في التعامل والاحترام، والمحافظة على البيئة نظيفةً وجميلة؛ فلا يجدي نفعًا وضع حاوية في الطريق، بل الأفضل رمي النفايات داخلها لا بجانبها، من باب الأدب العام قبل أي اعتبارٍ آخر.

تصريف مياه الأمطار تخصّص لا بدّ من التعامل معه هندسيًا وبيئيًا وأخلاقيًا؛ فقد شاهدتُ أكثر من مقطع فيديو لتدفّق المطر على أدراج عمّان بقوةٍ تسابق الطريق، لكن إلى أين تصل؟ هذا هو نتاج غياب التخصّص المنشود للاستفادة من كميات المطر المنهمرة.

قاع المدينة في عمّان، والعديد من طرقات المدينة، يعاني كثيرًا؛ فعلى الرغم من معالجة بعض عيوب الطرقات، فإن تلك المعالجات ما زالت حلولًا مؤقتة، وتحتاج إلى معالجة طويلة الأمد، كما هو الحال في باقي عواصم العالم.

وللطرافة والتذكّر، نرى من لا يزال يحتفظ بتلك الجزمة السوداء التي كانت تُستخدم للمشي على الطرقات بأمانٍ واطمئنان، دون تسرب الماء إلى الأقدام. وبالمقابل، ما زلنا نذكر من يمشون بأحذية مثقوبة في الشتاء، ويعانون قسوة البرد والحرمان.

الطرقات المُبلّلة بالحنين والشوق للمشي من وإلى كل حلمٍ كان وخطفه الزمن، شاهدة على مشوارنا قبل تدافع السيارات؛ كانت خطواتنا تحت المطر تقودنا نحو البيت، ودفء الأسرة، والالتفاف حول "سفرة" الطعام الشهي، وكثير من طقوس الشتاء وحكاياته، وتلك "الجرزيات واللفحات والطواقي الصوفية التي حاكتها أمهاتنا بالحب والحنان".

لو كان الدمع كالمطر، ترى هل ستبتلّ الطرقات بمعاناة البشر، وتبوح بتفاصيل ما تخفيه الصدور من مخزونٍ يروي عطش السنين؟ كانت جدتي (رحمها الله) تردّد: "لستم فتافيت سكر قابلة للذوبان، أنتم مشاريع للتحمّل والإرادة والصبر والمثابرة، والانطلاق نحو المستقبل بثقةٍ ورجاء".

ثمة طرقات كثيرة يمكن اعتمادها للمسير، ولكن طريق الخير هو الأكثر أمانًا وديمومة لتحقيق ما نصبو إليه ونتطلع له، وثقة طريقٍ واحد لا تُبلّله الأيام، هو الصدق لا غير؛ فهو النجاة من الشرور والمصاعب والعثرات والأهوال.

للطرقات والأمطار أسرارٌ لا تكشفها سوى الحقائق!. ــ الراي

مواضيع قد تهمك