م. زيد خالد المعايطة : دمج المواطنين من ذوي الاحتياجات الخاصة.... مشاركة لا مساعدة
تشير الإحصاءات الرسمية في الأردن إلى أن نحو واحد من كل تسعة أردنيين ممن تبلغ أعمارهم خمس سنوات فأكثر يمكن تصنيفه ضمن فئة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو رقم كافٍ للتذكير بأن هذه القضية ليست حالة نادرة أو هامشية، بل واقع حاضر في حياة آلاف الأسر وتشكل 11% من اجمالي عدد السكان، إضافة لظروف تشابكها مع سوق العمل، والخدمات العامة، وتفاصيل الحياة اليومية.
ومع هذا الحجم، يصبح دمج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة مسألة تتجاوز البعد الاجتماعي أو الإنساني، لتلامس جوهر المشاركة الاقتصادية والحياة اليومية، فحين تكون هذه الشريحة الواسعة محدودة الحضور في العمل أو الخدمات أو الأماكن العامة، لن يتوقف او يقتصر الأثر على الأفراد أنفسهم، بل سيمتد إلى الأسر التي تتحمل أعباء إضافية، وإلى الاقتصاد الذي لا يستفيد كاملًا من طاقاتهم المتاحة.
وفي هذا السياق، شهدت السنوات الأخيرة حضورًا متزايدًا لقضية الدمج في السياسات العامة والخطط الوطنية والنقاشات المجتمعية في الأردن، وهو تطور يعكس انتقالًا في الخطاب من الرعاية إلى التمكين، ومع ذلك تبقى المشاركة اليومية للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة مرتبطة إلى حدّ كبير بكيفية عمل الأنظمة على أرض الواقع، لا بما هو مكتوب في الوثائق.
وتظهر هنا فجوة دقيقة لكنها مؤثرة، إذ غالبًا ما يُنظر إلى الدمج من زاوية المساعدة أكثر من المشاركة، فالمساعدة تخفف العبء، لكنها لا تضمن حضورًا فعليًا في الدورة الاقتصادية والاجتماعية، بينما المشاركة تعني تمكين الأفراد من العمل، واستخدام المرافق والخدمات، والتحرك في تفاصيل الحياة اليومية بوصفهم جزءًا طبيعيًا منها، وهو فرق ينعكس مباشرة على الاستقلالية، وعلى كلفة توفير الدعم طويل الأمد.
ويتجلى هذا الفرق بوضوح في سوق العمل، حيث توجد سياسات تشجع تشغيل الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، إلا أن التطبيق العملي يبقى مترددًا في كثير من الأحيان، نتيجة غياب الوضوح لدى أصحاب العمل حول كيفية إدارة الدمج على أرض الواقع، وما يتطلبه من ترتيبات وتوقعات ومسؤوليات.
ويمتد هذا الغموض إلى مراحل أبكر، إذ يتشكل مسار المشاركة منذ سنوات التعليم الأولى، حين تؤثر التجربة التعليمية في صورة الفرد عن نفسه وفي توقعات المجتمع منه، فالتعليم الذي يفترض الحضور والمشاركة وبناء المهارات يفتح الباب تدريجيًا نحو التدريب والعمل، بينما يؤدي الفصل أو خفض التوقعات إلى تراكم الاعتماد وتأجيل المشاركة، وعندما يُنظر إلى التعليم والعمل كمسار متصل لا كسلسلة من الاستثناءات، تصبح المشاركة امتدادًا طبيعيًا لا خطوة استثنائية.
أما الأماكن العامة، فتشكّل عنصرًا أساسيًا في ترسيخ هذا المسار، فوسائل النقل، والمباني العامة، والمساحات المشتركة تحدد من يظهر ومن يغيب في تفاصيل الحياة اليومية، وحين يكون حضور الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة مألوفًا في هذه المساحات، تتحول المشاركة من استثناء إلى اعتياد، ويصبح التفاعل الاجتماعي أكثر بساطة وأقل توترًا.
وفي تجارب فعلية في دول قريبة من السياق الأردني، اتضح أن الدمج يتحسن حين يُدار بوصفه مسارًا عمليًا واضحًا، ففي دولة الإمارات، جرى التعامل مع توظيف الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن أطر مؤسسية داخل أماكن العمل، حيث أصبحت الترتيبات والتكيفات جزءًا معروفًا من الإجراءات الإدارية، مما خفف التردد وجعل المشاركة أكثر اعتيادًا، وفي إسبانيا أُعيد تصميم الانتقال من التعليم إلى التدريب ثم العمل بحيث لا ينقطع المسار عند التخرج، بل يستمر تدريجيًا نحو سوق العمل، وهو ما انعكس على ارتفاع المشاركة الفعلية بدل الاكتفاء بالاحتواء، وتُظهر هذه التجارب أن الدمج يصبح أكثر قابلية للتطبيق حين يُبنى على وضوح المسار لا على النوايا وحدها.
فالدمج الحقيقي يقوم على تمكين المساهمة، وحين تصبح المشاركة جزءًا طبيعيًا من التعليم والعمل والخدمات والأماكن العامة، يتحول الدعم إلى عنصر فاعل في خلق حالة التصميم لا عنوان قائم بذاته، وعندها لا تكون الاحتياجات الخاصة عائقًا للمشاركة، بل اختلافًا يُدار ضمن مجتمع أكثر قدرة على الاستفادة من جميع أفراده.