أ. د. عبد الرزاق الدليمي : زلزال الرشد: التفكير النقدي كضرورة وجودية للنهوض العربي
رغم اني احاول ان ابتعد عن هذه الموضوعات (الخلافية) إلا اني وجدت نفسي ملزما بمناقشة ما وضعنا فيه المفكر البوسني المسلم علي عزت بيجوفيتش في كتابه "هروبي إلى الحرية" أمام مقاربة قاسية لكنها كفيلة بكشف ملامح "الرشد" المفقودة في عقلنا الجمعي. إن دعوته لتدريس "التفكير النقدي" في مدارس الشرق ليست ترفاً أكاديمياً بل هي دعوة لكسر قيود "الاستلاب الذاتي" الذي جعلنا نبرع في لوم الآخرين بينما نتجاهل الهزائم التي ألحقناها نحن بأنفسنا.
إن توظيف التفكير النقدي في حاضرنا العربي والإسلامي يبدأ أولاً بفك الارتباط بين "النقد"و"العداء". فالنقد في جوهره ليس محاولة للتقويض؟! بل هو عملية فحص وتمحيص للثوابت الموروثة والأنماط السائدة. نحن اليوم بحاجة ماسة إلى نقل "المساءلة" من الحيز السياسي العابر إلى الحيز الثقافي والاجتماعي الراكد. بدلاً من أن نسأل: "ماذا فعل بنا الآخرون ؟! يجب أن نسأل انفسنا: "لماذا تم اختراقنا؟! وكيف ساهمت بنيتنا الفكرية في إدامة أزماتنا؟".
في الحاضر ربما يخدمنا التفكير النقدي في تفكيك خطاب الضحية!! لقد أدمن العقل العربي والمسلم إحالة إخفاقاته إلى مؤامرات خارجية وهي حقيقة قد توجد جزئياً؟ لكن الاعتماد الكلي عليها والاستسلام لها أصابنا بالشلل بالتفكير والإرادة لذلك ارى ان التفكير النقدي يعلمنا أن القوة الحقيقية تبدأ من دواخلنا اولا وأن الهزيمة النفسية تسبق دائماً الهزيمة العسكرية أو الاقتصادية. حين ننتقد ذواتنا في هذا المناخ الفكري السليم... فنحن لا نجلدها! بل نُنقيها من الأوهام التي تمنعنا من رؤية الواقع كما هو... لا كما نتمنى.
أما بالنسبة للمستقبل فإن التفكير النقدي هو بمثابة جهاز المناعة الذي سيحمي الأجيال القادمة من التبعية الفكرية. إن العالم اليوم لا يُدار بالعواطف الجياشة (كما هو حالنا) بل بالمعرفة والعلم بالبيانات والتحليل والقدرة على التكيف. وان توظيف هذا التفكير المنطقي العلمي في التعليم يعني بناء إنسان لا يقبل المعلومة على علاتها بل يبحث في منطقيتها وجدواها. هذا الإنسان هو الوحيد القادر على بناء النهضة الحقيقية، لأن النهضة لا تُستورد ولن يمكننا منها الآخرون بل تُنتزع عبر وعيٍ ناقدٍ يرفض القداسة الزائفة للخطأ البشري.
إن بداية هذا الرشد الذي تحدث عنه بيجوفيتش هي لحظة الصدق الحقيقي مع الذات. هي اللحظة التي نتوقف فيها عن رثاء بغداد والأندلس أو البكاء على أطلال الخلافة هنا او هناك لنبدأ في تشريح القابلية للاستعمار والقابلية للاستبداد الكامنة فينا. إن التفكير النقدي هو المشرط والمقص اللذان يجب أن يمرا على جسد ثقافتنا المعلول بالخرافات والوهن لنستأصل أورام الاتكالية على الآخرين والجمود ونزرع بدلاً منها بذور التفكير والتساؤل والحرية.
لذلك ارى ان الشرق العربي الإسلامي لن يستعيد موقعه في قطار الحضارة المتسارع ما لم يمتلك اهله الجرأة على قول "لا" لأخطائه قبل أن يقولها للآخرون. إن التفكير النقدي هو الجسر الوحيد الذي سيعبر بنا من خسائر الماضي إلى سيادة المستقبل وهو الطريق الذي يبدأ بكلمة واحدة: لماذا؟
بهذا ربما قد نكون استفدنا من رؤية بيجوفيتش في سياق عملي ونهضوي.