أ. د. جواد العناني : استراتيجية الأردن الدولية
القمة الأردنية الأوروبية التي عقدت بمدينة عمان يوم الخميس الماضي والموافق الثامن من شهر كانون الثاني، وبحضور صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني وصاحب السمو الأمير الحسين ولي العهد، وكل من انتونيو كوستا الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي والسيدة أورسولا فون دير لاين الرئيسة الحالية للمفوضية الأوروبية وبحضور صاحب الدولة د. جعفر حسان، وأصحاب المعالي مدير مكتب صاحب الجلالة، ونائب رئيس الوزراء وزیر الخارجية, وقد حضر القمه عدد من رؤساء الوزراء الأوروبيين وكبار المسؤولين في الدول الأوروبية الأساسية والمفوضية الأوروبية والسؤال الآن: لماذا أوروبا الآن؟ ولماذا يتحرك الأردن مع كبار الدول خاصة تلك التي تزداد علاقاتنا معها وثوقاً ونمواً مثل الاتحاد الأوروبي والصين والهند واليابان وكبار الدول الاسلامية مثل اندونيسيا وباكستان؟؟ وهل لذلك الأمر ارتباط بتقلبات السياسة الأميركية؟.
لقد تعلمنا أن للملوك الهاشميين الذين تعاقبوا على الحُكم في الأردن صفات مشتر کة تنطوي على ذكاء واضح، وان تغير العلاقات مع الدول ذات الأهمية لا يأتي - بمبادرة من الجانب الأردني، بل استجابة لها، وبوتيرة قوية، وبعقل ناضج متوازن. وقد يختلف الأسلوب، حيث يؤمن كثير من الناس بصدقية قول الفنان الفرنسي "بوفون"، ان الأسلوب هو الرجل، ولكن الحرص على الأمن والاستقرار وثبات الحكم في الأردن تبقى المنارات الهادية لاي أسلوب ومن الواضح أن الملك عبدالله الثاني قد استشعر ضرورة واهمية تنويع الشراكات الاستراتيجية عبر العالم لما في ذلك من خدمة للمصالح العليا للدولة الاردنية ، خاصةفي ظل نظر بعض الدول لموقف الاردن على انه أمر طبيعي وغير مكلف. ولكن الواقع يقول غير ذلك. ولننظر من الناحية السياسية أولاً: صحيح أن الولايات المتحدة تجمعنا بها علاقة تاريخية واستراتيجية. ولكن هذا لا يقاس شيئاً. بالمقارنة مع ما يقدمه الأردن من جهود في مواجهة الارهاب، او ما يقوم به من مساندة لدول الجوار. ولو ترجمت هذه الأمور إلى مزايا تقدر بالدولارات فيجب ان لايصل للأردن أقل من (3) مليار على ادنى حد والأمر الآخر هو أن مقاومة الارهاب والمخدرات والعدوان الاسرائيلي في الضفة الغربية وفي قطاع غزة تكلف الأردن مقداراً لا يقل عن (500) مليون دولار سنوياً، والنتيجة اذن أن الأردن الذي يتلقى مساعدات لدعم الخزينة، ولدعم الأمن أو القرارات الاقتصادية والادارية تبلغ في صافيها ما لا يزيد عن (2ر1) مليار دولار من أصل (8ر1) مليار دولار، في حين ان الاردن يقوم بدور حيوي ومهم في استقرار المنطقة يفوق باضعاف ما تقدمه الولايات المتحدة للأردن.
ومن جانب آخر، فإن حجم التجارة الأردنية الاميركية يزداد نمواً في قطاعات مختلفة. وقد بلغ العجز التجاري الاميركي مع الاردن حوالي (161) مليون دينار (حوالي 340 مليون دولار). وهذا امر ايجابي. ولكنه لو أضيف الى مجموع ما تقدمه أميركا للاردن من دعم فإن الميزان النهائي يبقى لصالح الولايات المتحدة.
والأهم من ذلك هو أن الولايات المتحدة ليس لها استثمارات هامة تذكر في الأردن، وعندما تبين أن بعض الشركات التي استثمرت في قطاع الاستهلاك مثل القهوة، والوجبات السريعة وغيرها كانت الشركات الأم وليس الفروع تدعم إسرائيل وعدوانها الغاشم الظالم على الاهل في قطاع غزة والضفة الغربية. وعندما بدأت هذه الشركات بالانطواء، تبين أن البدائل والتي لم تستطع سابقاً منافستها كانت جاهزة محلياً وعربياً مثل المشروبات الغازية، والمقاهي (القهوة)، وبعض الوجبات السريعة مثل الدجاج واللحوم.
ولقد كان الأردن يقف عند هذه الحقائق عندما يكون سلوك الولايات المتحدة واضحاً معنا ويقف عند المبادئ الأساسية لتلك العلاقة مثل الاحترام المتبادل واحترام حقوق الانسان، والثقة بان العلاقات الاستراتيجية هي علاقات ثابتة مستقرة. ولكن هذا التحيز لاسرائيل،ولكن ذلك يجب ان لايتعارض مع ضرورة واهمية الاقرار بدور الاردن في حفظ الاستقرار والسلام في المنطقة، حيث ان التقلب في المواقف لا يمنح الثقة للاردن بان السياسة الأميركية الحالية لها قواعد واضحة يمكن فهمها والتعامل معها، وعليه فإن الأردن لا يستطيع الجلوس جامداً حيال هذه التقلبات لأنها تمس مصالحه الأساسية وأسس استقراره.
في الوقت الذي نرقب في العلاقات مع الولايات المتحدة بقلق مكبوت لا نريده أن يصبح قضية، فان علاقات الأردن المتنامية مع دول کبری في العالم لا يمکن تجاهلها أو التقليل من قدرها. ولذلك رأينا جلالة الملك يقوم بزيارة إلى سنغافورة، واندونيسيا، والباكستان واليابان وسمع من هذه الدول وبخاصة اليابان أنها تنظر الى الأردن كحجر الزاوية في استقرار منطقة الشرق الأوسط، وأنها البلد الذي يمكن لليابان أن تحول علاقاتها مع الأردن من علاقة تجارية إلى علاقة شراكة استراتيجية، وقالت الصين على لسان وزير خارجيتها نفس المبدأ بأن استقرار الأردن هو الرمز المطلوب لاستقرار المنطقة ككل. والآن جاءت القيادة الأوروبية في قمتها الثانية تتحدث حديثاً استراتيجيا. وهم لا يشيرون إلى الأردن كشريك تجاري فحسب بل يريدون تعزير العلاقات معه سياسياً، واستثمارياً.
وللحقيقة، فان برامج الاصلاح الأردنيةسواء اكانت سياسية ام اقتصادية أم إدارية، فانها تتطلب منا ان نفهم معناها تماماً. انها تعني ان الأردن بقيادة جلالة الملك ومن خلال خطاباته في المنابر الدولية والاقليمية والمحلية، ومن نبض سياساته وزياراته وتعميقه للعلاقات مع دول مهمة في العالم، انما يسعى لأن ينقل الأردن من مجتمع استهلاك وریعیة الى مجتمع انتاج وانتاجية، ومن دولة لها موقع استراتيجي هام الى موقع دنیامیکي، قادر على استيعاب المشروعات التي تربط الأقاليم بعضها ببعض باستثمارات دولية واقليمية ومحلية، وأن هذه الخطط الاصلاحية تمنح الأردن مزايا اعمق في الديمقراطية، والتفاوض، والانجاز في المجالات المختلفة.
اذا فهمنا أن الرؤية التي نطبقها الان بحاجة الى ملايين الدولارات للاستثمار، وأن الأردن لا بد وأن ينطلق الى العالم التكنولوجي الحديث وعالم الذكاء الاصطناعي، فان عليه أن يبني شبكة من العلاقات الاستراتيجية مع الدول المهمة دون أن يميل لجانب على حساب الآخر، بل يرحم طريقه بذكاء ووعي وارادة صلبة.
شركاؤنا في أوروبا والهند والصين واليابان وأوروبا يريدون ذلك. ونحن جاهرون للتعاون معهم لنقول لأميركا اهلا بك دون التغول على كرامتنا وحقوقنا وأمننا ونظامنا. ــ الراي