د. ايهاب العابودي : بعد الأرقام.. ماذا تعني صناعة البيع المباشر فعليًا؟
بعد طرح الأرقام والحديث عن حجم صناعة البيع المباشر عالميًا في مقالٍ سابق
نُشر بتاريخ 31 كانون الأول 2025، يصبح من الطبيعي التساؤل عمّا يعنيه هذا
القطاع فعلًا، وأين يقف بين العمل الحقيقي والنماذج الوهمية التي شوّهت
صورته. فالأرقام، مهما كانت لافتة، لا تشرح نفسها بذاتها، بل تحتاج إلى
قراءة أعمق تضعها في سياقها الصحيح.
ومن هنا، يأتي هذا المقال استكمالًا لتلك القراءة، بالانتقال من منطق الأرقام إلى فهم الجوهر وطبيعة النموذج.
أمّا
عن ماهية صناعة البيع المباشر، فهي في جوهرها عملية بيع منتجٍ استهلاكي أو
خدمة، من شخصٍ إلى شخص، بصورة مباشرة، خارج إطار مواقع البيع بالتجزئة
الثابتة، ومن دون وجود وسطاء أو أطراف ثالثة. وهو نموذج عمل يقوم على
الإنسان بوصفه محور العملية ووسيلتها، وعلى الثقة والتجربة الشخصية أساسًا
للتسويق، فيما يُعرف بالدعاية الشفهية، لا على الإعلانات الجماهيرية ولا
على الحملات التسويقية الضخمة. ولهذا السبب تحديدًا، صمد هذا النموذج لعقود
طويلة، وتحوّل من ممارسة تجارية بسيطة إلى مسار أعمال متكامل، حتى بدأ
تدريس مفاهيمه في الجامعات الأمريكية منذ عام 1991 ضمن برامج الإدارة
والتسويق وريادة الأعمال.
غير أن هذا الوضوح النظري لم ينعكس دائمًا على
أرض الواقع؛ إذ اصطدم بإشكالية حقيقية تمثّلت في الخلط بين البيع المباشر
كنموذج مشروع، وبين نماذج هرمية وهمية قامت على التجنيد بدل القيمة. ففي
البيع المباشر الحقيقي يكون المنتج أو الخدمة في صدارة المشهد، ويكون الدخل
ناتجًا عن بيع فعلي، لا عن توسيع دائرة الداخلين إلى منظومة مغلقة. وأي
نموذج لا يضع القيمة في جوهره، ولا يجعل البيع الحقيقي أساس العائد، لا
ينتمي إلى هذه الصناعة مهما تشابهت المسميات.
ومن هنا، لا بد من الإقرار
بحقيقة أساسية: البيع المباشر ليس طريقًا مختصرًا، ولا عملًا سهلًا، ولا
مشروعًا سريع النتائج. هو مسار يتطلب تعلّمًا مستمرًا، وبناء مهارات،
وصبرًا على النتائج. فالنجاح فيه تراكمي بطبيعته؛ يبدأ غالبًا كدخل جانبي،
وقد يتطوّر إلى مشروع متكامل لمن يلتزم ويفهم طبيعة العمل. أمّا من يدخل
هذا المجال بعقلية النتائج الفورية، فغالبًا ما يغادره سريعًا، لا لأن
النموذج فاشل، بل لأنه لم يُقرأ بواقعيته.
وبهذا المعنى، يصبح من
الضروري التوقف عند مسألة ملاءمة هذا المجال للأفراد. فالبيع المباشر متاح
للجميع من حيث الفرصة، لكنه ليس مناسبًا للجميع من حيث التطبيق. ينسجم مع
من يمتلك قابلية حقيقية للتعلّم، واستعدادًا لتطوير مهاراته، وقبولًا بفكرة
البناء المتدرّج والتواصل مع الناس، ولا يناسب من يبحث عن ضمانات مسبقة أو
أرباح بلا جهد. وهذه الحقيقة، بحدّ ذاتها، تمنحه مصداقية نادرة في زمنٍ
امتلأ بالوعود السريعة والنتائج الوهمية.
وعندما ينتقل النقاش من الفرد
إلى الشركة، يصبح الوعي شرطًا لا يمكن تجاوزه. فالشركة الجادّة هي تلك التي
تكون عضوًا في إحدى منظمات البيع المباشر المحلية، التابعة للاتحاد
العالمي لشركات البيع المباشر، وتمتلك تاريخًا واضحًا في السوق. وليس من
قبيل المصادفة أن نجد في هذا القطاع شركات تجاوز عمرها خمسةً وعشرين عامًا،
ما يعكس قدرة حقيقية على الاستمرار، لا مجرد موجة عابرة. ويكتمل هذا
الإطار حين تكون المنتجات أو الخدمات حصرية وقائمة على قيمة فعلية، وتحمل
اعتمادات جودة صادرة عن جهات مستقلة ومعترف بها، بما يؤكد أن ما يُسوَّق
خضع للتقييم والمساءلة، لا للترويج المجرّد.
أمّا الأرباح، فهي جزء من
الصورة لا كلّها. ففي البيع المباشر، ترتبط الأرباح بالوقت والجهد وبناء
شبكة قائمة على بيع حقيقي. لا ضمانات، ولا قفزات وهمية، بل مسار واضح لمن
يدخل بعقل واعٍ لا بعاطفة متعجّلة.
وفي ظل التحولات التقنية المتسارعة،
قد يُطرح تساؤل حول مستقبل هذا القطاع. والحقيقة أن صناعة البيع المباشر من
المجالات القليلة التي لم تُقصها التكنولوجيا، بل أعادت تشكيل أدواتها.
فالذكاء الاصطناعي يغيّر الوسائل، لكنه لا يلغي جوهر هذا العمل؛ لأنه يقوم
على عناصر لا يمكن أتمتتها: الثقة، والتجربة، والعلاقة الإنسانية.
ومن
هذا الفهم المتكامل، تتضح أسباب الدعوة إلى التبنّي المؤسسي لهذا القطاع.
فحين ندعو الحكومة إلى الالتفات الجاد لصناعة البيع المباشر، فإننا لا ندعو
إلى بديل عن الوظائف التقليدية، ولا إلى حلٍّ سحريٍّ للبطالة، بل إلى
تنظيم رافدٍ اقتصاديٍّ قائمٍ بالفعل، في سوقٍ أردنيٍّ وعربيٍّ يُظهر
تعطّشًا واضحًا لمثل هذه النماذج العملية المرنة، القادرة على تحويل الطلب
الكامن إلى فرص إنتاج حقيقية. رافد منخفض الكلفة الرأسمالية، وقابل
للاستيعاب الواسع، إذا ما أُخضع للتشريع والرقابة، بدل تركه عرضة للفوضى أو
الاستغلال. ولا يخفى أن العديد من دول العالم سبقتنا بخطوات واضحة في
تنظيم هذا القطاع والاستفادة منه اقتصاديًا، بينما لا يزال التعامل معه
محليًا محدودًا، رغم جاهزية السوق وحاجته الفعلية لمثل هذا التوجّه.
وبهذا
المعنى، البيع المباشر ليس وعدًا سريعًا ولا خدعة، كما أنه ليس فكرةً
مثاليةً بلا تحديات. هو مسار عمل حقيقي لمن يفهمه كما هو، ويختار أدواته
بعناية، ويدخل إليه بوعي لا بانفعال.
هل نريد أن نحاكم الأفكار بما نسمعه عنها، أم بما هي عليه فعلًا؟ ــ الدستور