بشار جرار : مقلوبة «ماها» الأمريكية وزيتها الأردني البكر!
لمن فاته في مقال سابق الحديث عن «ماها» وعلاقتها بشقيقتها الكبرى «ماغا»،
فهي اختصار لشعار رفعه ترمب في حملته الانتخابية الأولى وهو «لنجعل أمريكا
عظيمة مجددا» والذي احتفظ به ثلاث حملات آخرها تضمنت محاكاة قضايا الملف
الصحي، فصار الشعار الإضافي هو «لنجعل أمريكا تنعم بالصحة مجددا» أو كما
يبدو شكلا من أشكال الحنين إلى «أيام الزمن الجميل» عالميا وليس أمريكا
فقط، وهو استرداد الناس في الدنيا كلها لصحتهم وعافيتهم.
العبرة أن يكون
غذاء الإنسان هو دواؤه، والأصح ما يقيه الأمراض والأعراض، لا أن تصبح
العقاقير والمكملات الغذائية هي الغذاء. الجميل في بلاد العم سام التعلم من
الأخطاء بمنتهى الشفافية وبلا أحقاد، والميل إلى التصويب الذاتي دون
تعالي، أو أي مشاعر سلبية كالملامة والمحاسبة بأثر رجعي، فالتاريخ أو
الماضي لدى الأمريكيين ذهب ولن يعود، وبالتالي لا حكمة في اجتراره وإنما
فقط التعلم من دروسه والاعتبار منها ومن ثم المضي دائما قدما وإلى الأمام.
هكذا
تم في القطاع الصحي الغذائي والدوائي، حيث تم تقديم هرم غذائي قبل عقود
اعتبره معظم الأطباء والعاملين في القطاعي الصحي والغذائي عالميا، بمثابة
مثل أعلى طرحه البعض وكأنه قد اكتسب هالة «التقديس» وصار من يتجرأ حتى ولو
بطرح ذلك «الهرم» للنقاش أو إعادة التفكير وليس مجرد انتقاده، صار في عين
تلك «الصحافة الحرة والنزيهة» من مروجي نظريات المؤامرة!
الأربعاء كانت
المفاجأة الكبرى في القطاعين معا، الصحي والغذائي، الدوائي العلاجي
والوقائي، فكان الإعلان من داخل البيت الأبيض عبر وزير الصحة روبرت «بوب»
كِنِدي ووزيرة الزراعة وعدد من كبار المسؤولين المختصين، عما يمكن وصفه
بنظرية الهرم المقلوب غذائيا. «مقلوبة ماها» قلبت التوصيات الغذائية رأسا
على عقب، فصارت البروتينات والدهون الحيوانية الصحية والحليب كامل الدسم
والبيض الخالي من الهرمونات والخضار والفاكهة -غير المعدلة وراثيا والنظيفة
من المبيدات الحشرية الخطرة، صارت على رأس القائمة (قاعدة الهرم المقلوب)
فيما تم رذل النشويات غير المعقدة الكاملة غير منزوعة الألياف أو القشرة،
إلى ذيل القائمة (رأسها المدبب سابقا).
ما هو أهم من «مقلوبة ماها» هو
ذلك الانقلاب غير المسبوق في سياسة المطاعيم الخاصة بالأطفال من عمر حديثي
الولادة إلى سنوات المراهقة. فقط أحد عشر مطعوما صارت موضع توصية الحكومة
الفدرالية من أصل سبعة عشر مطعوما.
ما جرى الأربعاء ليس حدثا أمريكيا بل
شأنا عالميا. ثمة حاجة ماسة لتسليم ملف الصحة عموما وليس الغذاء والدواء
(بما فيها المطاعيم والمكملات الغذائية) فقط إلى من نتوسم فيهم، مخافة الله
أولا ودائما. ذلك المعيار أهم مما يظنها الناس شهادات أو خبرات قد لا تكون
سوى حملات إعلانية غاية في التعقيد ترجع خيوطها المحبوكة إلى أيادي رجال
المال والأعمال، فالمجمع الدوائي العالمي المعروف في الصحافة الأمريكية بال
«بِغ فارما» لا يقل جشعا ولا ضراوة في نظر نسبة لا يستهان بها، عن
«لوبيات» السلاح -المجمع الصناعي العسكري- أو جماعات المصالح الضاغطة،
الخاصة بالقطاعات الزراعية كإنتاج اللحوم والحليب والألبان والخضار
والفاكهة والبذور.
لنا أن نتخيل كم من التعليمات الصحية المشددة قد تبين
أن نقيضها هو الصحيح. وقد أحسنت الجهات المختصة بضبط الفضاء المنفلت في
خوض كل من هب ودب في «الإفتاء الصحي» بعد أن كان ذلك النوع من «الإفتاء»
والتنظير مقصورا على المتاجرين بالشعارات السياسية، ومن يحسبون أنفسهم من
«العارفين» المختصين!
وإن كان من خبر سار يضاف إلى ما تقدم، فتلك
الشهادة غير المباشرة لوزير الصحة الأمريكي بجودة زيت الزيتون الأردني. ففي
منشور لكندي على منصة اكس، نصح المستهلكين في أمريكا والعالم بعدم شراء
زيت الزيتون إن كان رخيص الثمن. بحسب الوزير الذي كان مرشحا رئاسيا في
الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فإن من صفات زيت الزيتون الأصلي هو أن يكون
داكن اللون يميل إلى الاخضرار لا الصُّفرة، على أن يكون مذاقه اللذيذ مِسحة
من المرارة، «مِزّ» إلى حد ما، على أن يكون بِكرا تم عصره على البارد..
اللهم
«برود اليقين» الذي نراهن عليه دائما في كل شيء، سائلين واهب الحياة
والصحة سبحانه، «حرارة إيمان تديم علينا نِعم الصحة والعافية وما نسميها
«الطاقة الإيجابية» وذلك بالعودة إلى مطبخ «جدودنا» حيث لا تتغول الصناعة
على الزراعة، ولا مكان للعبث في الجينات الوراثية لغذائنا، ولا لهَرْمَنته،
ولا لرشّه بالمبيدات الخطرة ولا لحفظه بالمواد «الحافظة» أو الأصباغ أو
محسنات المذاق، أو دسه بمواد لا يعرف تركيبتها إلا حملة شهادات الكيمياء
الحيوية، تلك التي تحدث إدمانا وشراهة لرفع نسب الاستهلاك. لا مكان لكل تلك
الشرور مع الغذاء الصحي الطبيعي النظيف «الربّاني» الذي إن اختلت موازينه
سيكلف أمراضا وعجزا كلفته السنوية في أمريكا بلغت أربعين مليارا، فضلا عن
الآثار المدمرة الخاصة بالإدمان بكل أشكاله، وتراجع مستويات الخصوبة التي
ساهم في تدمير الأسر وظيفيا، مع أدوات الشر المتمثلة بالشذوذ الذي روجه له
وحاول فرضه اليسار المنحل المختل، مما يفسر تلك النهضة الروحية والأخلاقية
والوطنية والروحية العالمية ونجاح أحزاب اليمين وقواها المحافظة في كثير من
دول العالم. فهل تعدل «مقلوبة ماه ا» المايلِة؟! ــ الدستور