أ. د. هاني الضمور : العمل اللائق في الأردن: من قراءة الأرقام إلى إعادة بناء السياسة العامة
منذ أن أصبحت مقولة جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، «الإنسان
أغلى ما نملك» حجر الزاوية في بناء الدولة الأردنية، ثم تعززت هذه الفلسفة
في خطابات جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين التي أكدت مراراً أن
المواطن هو محور التنمية وغايتها، بات من الطبيعي أن تُقاس السياسات
الاقتصادية والاجتماعية بمدى انعكاسها المباشر على حياة الناس وكرامتهم.
وفي هذا الإطار، يبرز ملف العمل اللائق بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية،
لأنه لا يمس الدخل فحسب، بل يمس الاستقرار الاجتماعي، والانتماء، والثقة
بين المواطن والدولة.
العمل اللائق ليس شعاراً عاماً ولا مفهوماً
نظرياً، بل منظومة متكاملة من الحقوق والمعايير التي تضمن للإنسان فرصة عمل
تمكّنه من العيش بكرامة. فهو يشمل الدخل العادل، والأمان الوظيفي،
والحماية الاجتماعية، وبيئة العمل الآمنة، وتناسب الوظيفة مع المؤهلات،
وإتاحة فرص التطور المهني، وحرية التعبير والتنظيم، وعدم التمييز، وساعات
عمل معقولة وإجازات عادلة. ومن هذا المنطلق، فإن تقييم أداء الحكومة في هذا
الملف لا يمكن أن يُختزل في عدد الوظائف المستحدثة، مهما بدا الرقم كبيراً
أو مطمئناً.
وفق المعلومات المتاحة، تشير البيانات إلى استحداث 96,420
وظيفة صافية خلال عام 2024، و48,403 وظيفة صافية خلال النصف الأول من عام
2025. هذه الأرقام، عند النظر إليها بمعزل عن السياق، قد توحي بحراك إيجابي
في سوق العمل، لكنها تفقد الكثير من دلالتها حين تُقرأ ضمن الصورة الكاملة
للبطالة، ونوعية الوظائف، واستدامتها، وقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في
بنية السوق.
فالتحليل الموضوعي يبيّن أن جزءاً مهماً من هذه الوظائف جاء
لتعويض وظائف فُقدت سابقاً، لا لإحداث توسّع صافٍ ومستدام في فرص العمل.
كما أن التركز الواضح في قطاعات تجارة الجملة والتجزئة والخدمات ذات القيمة
المضافة المنخفضة يشير إلى استمرار نموذج تشغيل هش، يقوم على وظائف منخفضة
الأجر، عالية الدوران، ومحدودة الأثر الإنتاجي. هذا النمط لا يحوّل
التشغيل إلى رافعة تنموية، بل يُبقيه في إطار معالجة معيشية مؤقتة لا تمس
جذور الأزمة.
وعند التعمق في تشغيل الشباب، تظهر مفارقة لافتة. فالفئة
العمرية بين 20 و29 عاماً تستحوذ على أكثر من 86 في المئة من الوظائف
المستحدثة، وهو ما يبدو ظاهرياً مؤشراً إيجابياً. غير أن غياب المسارات
المهنية الواضحة، وضعف الاستثمار في بناء المهارات طويلة الأمد، يجعل هذا
التشغيل هشاً وقابلاً للتآكل السريع. وفي المقابل، تتراجع فرص الفئات
العمرية الأكبر، ولا سيما من تجاوزوا الأربعين، ما يؤدي إلى اختلال في
التوازن الاجتماعي، ويهدر خبرات تراكمت عبر سنوات طويلة دون سياسات جادة
لإعادة دمجها.
أما مشاركة المرأة في سوق العمل، فتُظهر البيانات تراجعاً
لا يمكن تجاهله. ففي عام 2024 بلغت نسبة الوظائف المستحدثة للإناث نحو
30.7 في المئة، لتنخفض في النصف الأول من عام 2025 إلى 14.8 في المئة فقط،
رغم أن النساء يشكّلن النسبة الأعلى من حملة الشهادات الجامعية. هذا
التراجع لا يعكس فقط قصوراً في سياسات التشغيل، بل يكشف عن فجوة عميقة بين
الاستثمار في التعليم وسياسات التمكين الاقتصادي، ما يعني هدراً مباشراً
لرأس مال بشري كان يمكن أن يشكّل رافعة حقيقية للنمو.
ولا يقل التفاوت
الجغرافي خطورة عن التفاوت النوعي، إذ تستحوذ العاصمة على ما يزيد على 56
إلى 58 في المئة من الوظائف المستحدثة، في حين تبقى محافظات كاملة خارج
دائرة الاستفادة. هذا الواقع يعكس غياب رؤية تشغيل لامركزية، ويعمّق الفجوة
التنموية بين المركز والأطراف، ويؤدي إلى هجرة داخلية متزايدة، وضغط
متصاعد على البنية التحتية في المدن الكبرى، مقابل ركود اقتصادي واجتماعي
في المحافظات.
الأكثر دلالة على خلل نموذج التشغيل القائم هو ما تكشفه
أسباب ترك الوظائف. فحين تشير البيانات إلى أن أكثر من نصف العاملين غادروا
وظائفهم بسبب بعد مكان العمل، وطول ساعات الدوام، وسوء ظروف العمل، فإن
المشكلة تكون في نوعية الوظيفة لا في سلوك العامل. هذا الواقع يؤكد أن سوق
العمل الحالي طارد لا جاذب، وأن الحلول المعتمدة لا تحقق الاستقرار
الوظيفي، ولا تنسجم مع معايير العمل اللائق التي يفترض أن تكون مرجعية لأي
سياسة تشغيل.
وعند مقارنة هذه النتائج بالحاجة الحقيقية لسوق العمل
الأردني، تتضح الصورة بشكل أكثر صراحة. فالأردن يحتاج سنوياً إلى ما بين
100 و120 ألف وظيفة، تشمل الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وتعويض الوظائف
المفقودة، وتقليص الحد الأدنى من البطالة المتراكمة. وإذا ما قورنت هذه
الحاجة بما تحقق فعلياً، يتبيّن أن الأداء الحالي لا يخلق فائضاً حقيقياً
في فرص العمل، ولا يؤدي إلى خفض جوهري في معدلات البطالة، ولا يُحدث
تغييراً بنيوياً في هيكل السوق. بعبارة أخرى، ما يجري هو إدارة مستمرة
للأزمة، لا معالجة جذرية لها.
في ضوء هذه القراءة، يصبح واضحاً أن
الحكومة مطالبة استراتيجياً بإعادة بناء سياستها التشغيلية من الأساس.
فالمطلوب ليس فقط خلق وظائف، بل توجيه الاقتصاد نحو قطاعات قادرة على إنتاج
وظائف مستقرة وعالية القيمة. كما أن ربط التشغيل ببناء المهارات، وتحقيق
العدالة الجغرافية، وتمكين المرأة اقتصادياً، وتحسين نوعية بيئة العمل، لم
يعد خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة وطنية تمس الاستقرار
الاجتماعي والاقتصادي.
الخلاصة أن الأرقام المتاحة لا تدين الجهد بقدر
ما تكشف حدود فعاليته. فهي تؤكد أن الحكومة لا تزال تتعامل مع سوق العمل
بمنطق إدارة الأزمة أكثر من منطق الحل المستدام. وإذا كانت الرؤية التي
أرساها الملك الحسين بن طلال، ويؤكدها باستمرار الملك عبدالله الثاني بن
الحسين، تقوم على أن الإنسان هو أغلى ما نملك، فإن التحدي الحقيقي يكمن في
ترجمة هذه القناعة إلى سياسات تجعل العمل مدخلاً للكرامة والاستقرار، لا
مجرد رقم في جداول الإحصاء.