الأخبار

د. محمد حيدر محيلان : القرابة على الكفاءة

د. محمد حيدر محيلان : القرابة على الكفاءة
أخبارنا :  

كان يزيد بن مزيد من شجعان العرب ودهاتهم وأجوادهم، وكان عمه معن بن زائدة يقدمه على بنيه، فعاتبته امرأته في ذلك وقالت: كم تقدم يزيد ابن أخيك وتؤخر بنيك؟ ولو قدمتهم لتقدموا، ولو رفعتهم لارتفعوا.

فقال لها معن: إن يزيد بن مزيد قريب مني، وله علي حق الولد إذ كنت عمه، وبنوي ألصق بقلبي وأدنى من نفسي، غير أني لا أجد عندهم من الكفاءة والمسؤولية ما أجد عنده. ولو كان ما يضطلع به يزيد في بعيد لصار قريبا، أو في عدم لصار حبيبا، وسأريك الليلة ما تبسطين به عذري.

ثم دعا بنيه، فجاؤوا في الغلائل والملابس المطيبة والنعال السندية، بعد طول هدأة من الليل، فسلموا وجلسوا. ثم قال: ادعوا لي يزيد. فما لبث أن دخل مسرعا، وعليه سلاحه، فوضع رمحه بباب المجلس.

قال له معن: ما هذه الهيئة يا أبا الزبير؟
قال: جاءني رسول الأمير، فوقع في ظني أنه يريدني لأمر، فلبست سلاحي، فإن كان الأمر كذلك مضيت ولم أعرج، وإن كان غير ذلك نزعت سلاحي.

فقال معن لبنيه: انصرفوا في حفظ الله.
فلما خرجوا قالت امرأته: قد تبين لي عذرك.

هذه القصة، على قدمها، تلقي ضوءا كاشفا على معضلة لم تزل تتكرر بأشكال مختلفة: هل تقدم القرابة أم الكفاءة؟

معن بن زائدة لم ينكر حق الأبناء في القلب، ولم يتبرأ من رابطة الدم، لكنه وضع حدا فاصلا بين العاطفة الخاصة والمصلحة العامة، وهو ما يسمى اليوم بتضارب المصالح. لم يجعل القرب سببا للتقديم، ولا البنوة مبررا للتفضيل، بل جعل الكفاءة والجاهزية والمسؤولية والاستعداد هي الميزان.

في واقعنا المعاصر، تتكاثر الشكوى من الواسطة والمحسوبية في التعيينات والترقيات، حيث تمنح المواقع لأقرب الناس وأعرفهم، لا لأكفئهم وأقدرهم. وتقصى الكفاءات ظلما، ويدفع أصحاب الاستحقاق إلى الهامش والظل، لا لقصور فيهم، بل لغياب سند يحميهم. وهنا تتكرر المفارقة ذاتها التي حسمها معن قديما:
أبناء في الغلائل والملابس المطيبة، ويزيد في سلاحه، وجهوزيته، واستعداده.

إن خطورة الواسطة لا تكمن فقط في ظلم فرد بعينه، بل في إضعاف المؤسسة نفسها وتهاويها، لأنها تدار بمن لا يملك الأهلية ولا المؤهل ولا الاستعداد ولا الكفاءة، ولا يحسن حمل الأمانة والمسؤولية. ومع الزمن، تتحول الوظيفة العامة إلى إرث غير معلن، وقد حدث ذلك في كثير من المواقع الوظيفية العليا، وتفرغ معايير الجدارة والأهلية من مضمونها، فيسود الإحباط، وتهاجر الكفاءات، ويتآكل الإحساس بالعدالة.

القصة لا تدعو إلى قطيعة الرحم، ولا إلى إنكار الروابط الاجتماعية، لكنها تؤكد مبدأ حاسما:
القرابة حق في الوصل والمودة، لا امتياز في الوظيفة والمسؤولية، والاستحقاق يبنى على الجدارة والفعل، لا على القرب والاسم.

ولو أعيد الاعتبار اليوم لهذا الميزان العادل، ميزان الكفاءة قبل القرابة، لأمكن إنصاف كثير من المظلومين، ولعادت الثقة بين الناس ومؤسساتهم، ولما بقيت الواسطة عنوانا لخلل أخلاقي وإداري ندفع ثمنه جميعا.
عافانا الله من شر الواسطة والمحسوبية والفساد، ما ظهر منه وما بطن.

مواضيع قد تهمك