الأخبار

د. ميشلين ظاهرنويمر : السياحة الدينية في الأردن: إرث ديني يعزز الاقتصاد الوطني

د. ميشلين ظاهرنويمر : السياحة الدينية في الأردن: إرث ديني يعزز الاقتصاد الوطني
أخبارنا :  

يُعدّ الأردن واحدًا من أبرز الوجهات العالمية في السياحة الدينية، لما يتمتع به من مكانة تاريخية وروحية عميقة لدى أتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية. فقد شكّلت أرض الأردن مسرحًا لأحداث دينية مفصلية، واحتضنت مواقع مقدسة ما زالت تستقطب مئات الآلاف من الزوار سنويًا، في وقت باتت فيه السياحة الدينية رافدًا مهمًا للاقتصاد الوطني

. الأردن… أرض الرسالات والأنبياء.... يضم الأردن عددًا كبيرًا من المواقع الدينية المسيحية ذات الأهمية العالمية، في مقدمتها موقع المغطس (بيت عنيا عبر الأردن)، حيث تعمّد السيد المسيح على يد النبي يوحنا المعمدان، وهو موقع مُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو. كما يشكل جبل نيبو محطة رئيسية للحجاج المسيحيين، إذ يُعتقد أن النبي موسى عليه السلام وقف عليه ونظر إلى الأرض المقدسة. وتبرز أيضًا قلعة مكاور المرتبطة باستشهاد (النبي يوحنا المعمدان) النبي يحيى عليه السلام، إضافة إلى كنائس تاريخية في مادبا وعنجره وغيرها وفي السياق الإسلامي، تنتشر في مختلف مناطق المملكة مقامات الأنبياء والصحابة، مثل مقام النبي شعيب عليه السلام، ومقام النبي هارون عليه السلام، إضافة إلى أضرحة الصحابة كمعاذ بن جبل وأبي عبيدة عامر بن الجراح. كما تُعد مغارة أصحاب الكهف من المواقع الدينية المشتركة ذات الرمزية الكبيرة في التراث الإسلامي والمسيحي على حد سواء. كما تحظى معركة مؤتة ومقامات شهدائها في محافظة الكرك بمكانة بارزة في السياحة الدينية الإسلامية، حيث استشهد على أرضها القادة الثلاثة: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم اضافة الى ان الجامعة الحكومية في الكرك سميت بجامعة مؤته تخليدا لهذة المعركه التاريخيه المهمه التي كانت بداية الفتح الاسلامي لبلاد الشام، وتُعد مقاماتهم مقصدًا للزوار لما تمثله من رمز للتضحية والثبات في التاريخ الإسلامي، وتسهم في تعزيز البعد التاريخي للمواقع الدينية في جنوب المملكة.

أرقام سياحية تعكس الأهمية.... وبحسب بيانات وزارة السياحة والآثار، بلغ إجمالي عدد الزوار إلى الأردن عام 2024 نحو 6.1 مليون زائر، شملوا سياح المبيت وزوار اليوم الواحد. ورغم عدم توفر إحصاءات رسمية تفصيلية تُصنّف الزوار حسب غرض الزيارة، إلا أن تقديرات سياحية تشير إلى أن السياحة الدينية تشكّل ما بين 5% إلى 10% من إجمالي الحركة السياحية، أي ما يقارب 300 ألف إلى مليون زائر سنويًا. وتشير المؤشرات إلى نمو ملحوظ في أعداد الزوار خلال عام 2025، حيث سجّل القطاع السياحي ارتفاعًا في أعداد القادمين وإيرادات السياحة، ما يعكس تعافيًا تدريجيًا وثقة متزايدة بالوجهة الأردنية، بما في ذلك المواقع الدينية، مدعومة بتحسين الخدمات وتطوير البنية التحتية وازدياد الحملات الترويجية الخارجية.

أثر اقتصادي يتجاوز الزيارة.... لا يقتصر دور السياحة الدينية على البعد الروحي، بل يمتد ليشكل دعامة اقتصادية مهمة، إذ تسهم في تنشيط قطاع الفنادق والمطاعم والنقل، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ودعم المجتمعات المحلية المحيطة بالمواقع الدينية، إضافة إلى جذب استثمارات سياحية جديدة.

الحوار الديني والترويج العالمي.... إلى جانب الأثر الاقتصادي، تسهم السياحة الدينية في تعزيز صورة الأردن كأرض للعيش المشترك والحوار بين الأديان. وقد عززت المملكة حضورها العالمي من خلال مشاركات ومعارض دولية، أبرزها معارض تعريفية بالمواقع المسيحية في الفاتيكان وعواصم أوروبية، إضافة إلى الترويج لبرامج مثل "العمرة بلس" التي تستهدف الزوار المسلمين.

مستقبل واعد... في ظل الاهتمام الرسمي بتطوير البنية التحتية للمواقع الدينية وتحسين الخدمات السياحية، تبدو السياحة الدينية في الأردن قطاعًا واعدًا للنمو، يجمع بين قدسية المكان وأهمية الاقتصاد، ويعزز مكانة المملكة كوجهة عالمية للسياحة الروحية والثقافية، ويدعم التنمية المستدامة ويعزز الهوية التاريخية والحضارية الوطنية. وانطلاقًا من هذه الأهمية، تبرز الحاجة إلى تكثيف الجهود من قبل وزارة السياحة الأردنية لإطلاق حملات إعلانية وترويجية على المستوى العالمي، تسلط الضوء على المواقع الدينية في المملكة، وتشجع السياح من مختلف الدول على إدراج السياحة الدينية في الأردن ضمن وجهاتهم الأساسية.

ويُعدّ هذا التوجّه رافدًا اقتصاديًا مهمًا من شأنه الإسهام في توفير فرص عمل جديدة للشباب الأردني، ولا سيما في مجالات الإرشاد السياحي، والخدمات المساندة، والنقل، والحرف المحلية. كما يعزز تمكين المجتمعات المحلية المحيطة بالمواقع الدينية، ويشجع على الاستثمار في الكفاءات الوطنية، بما ينعكس إيجابًا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.

مواضيع قد تهمك