الأخبار

اسماعيل الشريف يكتب : غزو فنزويلا.. وصفة فشل أميركية جديدة

اسماعيل الشريف يكتب : غزو فنزويلا.. وصفة فشل أميركية جديدة
أخبارنا :  

نحن في فنزويلا من أجل النفط – جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق.

تنفّذ الولايات المتحدة عملية عسكرية تختطف خلالها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وتنقلهما إلى نيويورك للمحاكمة في استعراض هوليوودي فجّ. القضية هنا لا تتعلق بصلاح الرئيس أو فساده، بل بنهب الموارد وفرض الإرادة بالقوة. ما جرى يمثل تفكيكًا منهجيًا لما تبقّى من النظام الدولي واستبداله بحالة فوضى عالمية تُعامل فيها الدول كغنائم، وتُختزل السيادة إلى بند قابل للتفاوض. رسالة واشنطن واضحة: تتصرف بلا رادع، تستولي على ما تشاء، وتتخلص من خصومها دون اعتبار لأي معيار قانوني أو أخلاقي، في سبيل الهيمنة وإخضاع الشعوب والاستيلاء على ثرواتها بالقوة. إنها عقلية «رعاة البقر» حيث تُقصى القوانين، وتحل القوة محل العدالة، وينصّب الأقوى نفسه قائدًا وقاضيًا وجلادًا في آنٍ واحد.

ومع ذلك، ستفشل خطة الولايات المتحدة للسيطرة على فنزويلا. فالعالم، باستثناء الكيان الصهيوني، ينظر إلى ما حدث بوصفه غزوًا غير قانوني ينتهك القانون الدولي ويستند إلى ذرائع كاذبة، ومن المرجّح أن تنقلب هذه المغامرة على واشنطن بنتائج سلبية. فالمادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة تحظر استخدام القوة ضد سيادة أي دولة، ولا تُقرّ سوى استثناءين محددين: تفويض من مجلس الأمن أو الدفاع عن النفس ردًا على هجوم مسلح، ولا ينطبق أيّ منهما على حالة فنزويلا. وقد أجمع خبراء القانون الدولي على عدم شرعية التصرف الأميركي، وأدان هذا الفعل حتى أقرب حلفاء الولايات المتحدة، كما وصف خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة الحصار البحري بأنه عدوان مسلح غير قانوني. وحتى داخل الكونغرس الأميركي يبرز إدراك بعدم شرعية الهجوم واعتباره حربًا غير مبرّرة.

ولم تقدّم إدارة الرئيس ترامب أي دليل يثبت تورّط مادورو في الاتجار بالمخدرات، رغم اتخاذ هذه التهمة أساسًا قانونيًا معلنًا لاعتقاله. وتشير تحليلات متخصصة إلى أن فنزويلا ليست مصدرًا رئيسيًا للكوكايين المتجه إلى الولايات المتحدة، وأن ما يغرق المدن الأميركية هو الفنتانيل القادم من المكسيك، فيما يتجه معظم الكوكايين الذي يمر عبر فنزويلا إلى أوروبا، ولا تتجاوز حصة الولايات المتحدة منه 15%. واعتمدت واشنطن في ادعاءاتها على لوائح اتهام وبيانات صحفية ومزاعم استخباراتية وشهادات معارضين ومنشقين، وهي عناصر لا ترقى إلى أدلة قانونية ولا تثبت إدارة شبكات إجرامية. وحتى لو افترضنا جدلًا وجود تورّط، فلا يجيز ذلك غزو دولة أخرى لتنفيذ أوامر قبض محلية، إذ يشكّل ذلك انتهاكًا صارخًا لسيادة الدول والقانون الدولي.

وحذّر أكثر من سبعين باحثًا وخبيرًا من أن التدخل الأميركي سيؤدي إلى تفاقم المعاناة الإنسانية وزيادة عدم الاستقرار، كما أن إسقاط نظام مادورو ليس مهمة بسيطة في ظل بنية داخلية واسعة تضم نحو 1.6 مليون عنصر من الميليشيات ومئات الآلاف في الأجهزة الأمنية. وتُظهر دراسات ميدانية أن احتجاجات الفنزويليين على الأوضاع الاقتصادية والسياسية لا تعني قبولهم بالتدخل العسكري الأجنبي، وأن إزاحة الرئيس وحدها لا تكفي من دون السيطرة على المؤسسات والهياكل العسكرية وشبكات السلطة المحلية.

ويؤكد اقتحام القصر الرئاسي واعتقال مادورو فشل سياسة الحصار؛ فقد راهنت واشنطن على أن مصادرة ناقلات النفط ستُسقط النظام عبر تجويع البلاد، لكن هذا الرهان كان خاطئًا، إذ لم ينجح إفقار الشعوب تاريخيًا في تغيير أنظمة الحكم. كما يُظهر استطلاع رأي نُشر منتصف كانون الأول أن 63% من الأميركيين يعارضون العمل العسكري داخل فنزويلا، وهو ما يحدّ من استدامة العمليات سياسيًا ويُصعّب الحفاظ على وجود عسكري كافٍ لتحقيق الأهداف المعلنة، في ظل شارع أميركي مُنهك من عقود التدخلات الخارجية.

وتتبع هذه العملية وصفةً مستهلكة لتدخلات الولايات المتحدة حول العالم؛ ففي العراق انحدر الوضع إلى حرب طائفية وعدم استقرار دام ربع قرن، وليبيا تحوّلت البلاد عصف بها الميليشيات، أما أفغانستان فعادت إلى حكم طالبان بعد عشرين عامًا من الاحتلال. وفي فنزويلا، ستتورّط الولايات المتحدة مجددًا؛ فالقوة العسكرية تفشل بطبيعتها في بناء شرعية سياسية أو كسب دعم شعبي، وستواجه جيشًا كبيرًا ومقاومة شعبية، إلى جانب قوى دولية مثل روسيا والصين، ما يزجّ بها في مستنقع جديد.

برأيي، ما نشهده مقامرة سياسية وعسكرية طائشة ستُضاف فيها فنزويلا إلى قائمة طويلة من التدخلات الأميركية التي أخفقت في تحقيق أهدافها المعلنة، وغزوٌ بدافع نهب الموارد سينقلب، في نهاية المطاف، على الولايات المتحدة نفسها.

مواضيع قد تهمك