د. عامر سبايلة : من إستراتيجية الجبهات المفتوحة إلى سياسة فرض الأمر الواقع
عام جديد يدخل، فيما ما تزال المنطقة عالقة في دوامة الجبهات المفتوحة التي لم تُفتح بالكامل ولم تُغلق. جبهات تُدار بسقوف تصعيد مدروسة، لا تنفجر إلى حرب شاملة ولا تعود إلى حالة احتواء مستقر.
وإذا ما أردنا توصيف المرحلة الراهنة بدقة، يمكن القول إن الإقليم ما زال في مرحلة التصعيد الثانية، وهي مرحلة تشير معظم المعطيات، من الضفة الغربية ولبنان وسوريا وصولا إلى إيران، إلى أنها تقترب من ذروتها من دون أن تبلغ نقطة الحسم.
في مقابل هذا التصعيد الإقليمي المتدرّج، تعيد واشنطن على المستوى الدولي رسم ملامح المشهد العالمي. فالتصعيد تجاه إيران، وموقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الواضح بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي، والذي فُسِّر على نطاق واسع باعتباره ضوءا أخضر لإعادة استهداف إيران، لم يكن حدثا عابرا. إذ إن عودة ترامب للحديث صراحة عن محاذير إطلاق النار على المتظاهرين في الداخل الإيراني، واعتباره ذلك شرارة محتملة لتدخل أميركي مباشر، عكست بوضوح تصاعد الرغبة الأميركية في إنجاز الملف الإيراني، لا إدارته فقط.
الإستراتيجية الأميركية، التي تتقاطع في جوهرها مع الرؤية الإسرائيلية تجاه إيران وأذرعها وشبكاتها الإقليمية، انطلقت من فرضية أن حرب الاثني عشر يوما كانت كافية لدفع طهران نحو الانكفاء الداخلي. فقد ألحقت تلك الحرب ضربات قاصمة ببنية النفوذ الإقليمي الإيراني، وأضعفت قدرة طهران على المناورة الخارجية، وجعلتها أكثر انشغالا بتحديات أمنية واقتصادية واجتماعية داخلية متراكمة. وبهذا، تحوّلت إيران التي حاولت نقل الأزمة إلى الداخل الإسرائيلي وتهديد المحيط الخليجي، إلى دولة تعيد ترتيب أولوياتها دفاعيا، فيما يكافح نظامها للحفاظ على تماسكه السياسي.
وفي هذا السياق، اعتمدت واشنطن مزيجا من العقوبات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي العميق، بالتوازي مع استمرار الاختراقات الأمنية واتساع نطاق العمليات غير المعلنة، وتنامي حالة الغضب الشعبي في ظل تردي الخدمات، وشح المياه، وانهيار العملة. وقد تزامن ذلك مع تشكُّل بيئة دولية أكثر عداء للنظام الإيراني، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات داخلية في توقيت بالغ الحساسية. وهكذا، انقلبت إستراتيجية نقل الأزمات إلى الخارج على إيران بصورة شبه كاملة، وانتهت إلى أزمة داخلية مركبة لا يمكن الخروج منها من دون تغييرات بنيوية حقيقية.
وعلى مستوى أوسع، انتهجت الولايات المتحدة إستراتيجية تفكيك تدريجي للمحور الإيراني دوليا، بدأت بتعظيم التفاهمات والمصالح مع روسيا، وهو ما تجلّى في المقاربة الأميركية للحرب في أوكرانيا وفتح آفاق أوسع للتعاون الاقتصادي في مناطق جديدة.
هذا المسار أتاح أيضا هامشا لتفاهمات محتملة مع الصين، ومنح واشنطن قدرة أكبر على فرض رؤيتها في ملفات متعددة، خصوصا في إفريقيا، نيجيريا على سبيل المثال، وأميركا اللاتينية. وفي هذا الإطار برز ملف فنزويلا، البلد الأغنى بالنفط والمعادن غير المستخرجة، حيث ضغطت إدارة ترامب منذ اليوم الأول باتجاه تغيير جذري في كراكاس، ضمن استراتيجية تغيير في أنظمة في أميركا الجنوبية والتي بدأت معظمها تتماهى مع رؤية الرئيس ترامب.
فالقصة ليست الحصول على النفط، فمنطقيا في السنوات الأخيرة تحصل شركة شيفرون الأميركية على الحصة الأكبر من النفط الفنزويلي وهو ما جعل النظام في فنزويلا يعتقد أنه في لحظة التصعيد الأكبر ينتهي عبر تفاهمات تُرضي الولايات المتحدة في حالة زيادة هذه الحصة والنفوذ الاقتصادي في الداخل الفنزويلي.
إن بقاء المنطقة في مرحلة التصعيد الثانية المفتوحة وطويلة الأمد بدأ يلقي بظلاله على طبيعة التحولات الجارية. فطول أمد الأزمات، وتحولها إلى صراعات متعددة الأشكال يغلب عليها الطابع الانفصالي، من "أرض الصومال” إلى اليمن الجنوبي، مرورا بالسودان وليبيا وسورية، يشير إلى أن التصعيد لم يعد مجرد أداة ضغط مؤقتة، بل بات عاملا مساهما في إنتاج واقع إقليمي جديد.
وفي هذا السياق، قد تكون المرحلة المقبلة "مرحلة التصعيد الثالثة" أقرب إلى مرحلة إقرار سياسي بالأمر الواقع المتشكل، أكثر منها مرحلة حلول شاملة.
فغياب مشاريع الاحتواء، وعجز القوى المعارضة لهذه التحولات عن تقديم بدائل قابلة للحياة، يجعل من استمرار الاستنزاف وتوسع دائرة الأزمات وتعقدها السيناريو الأكثر ترجيحا في المدى المنظور. ــ الغد