بسمة الحجايا : شوق الكتب بين التطور والانحدار
- الإثنين-2026-01-05 | 12:38 am
أخبارنا :
ما أحوجنا في هذا العصر إلى أن يتسع وقتنا لنقرأ كتاباً من ورق، نتصفحه
بشغف وشوق كبير، لنشعر أن الكون ما زال يشدّنا إلى ثقافة الكتب الورقية.
لاسيما ونحن في عصر التطور والأجهزة الذكية، التي عملت وتعمل على وضع
مشقّات وتحديات ومتاعب، وبالأخص للجيل الجديد (جيل السوشيال ميديا) الذي
نشأ وترعرع، بل فتح عينيه ليجد أجهزة موفّرة له كل شيء بسهولة ويسر. حتى
أنها أخذت بعضهم إلى عالم الشرود الذهني، وأدخلتهم في سراديب الإدمان
المظلمة، وجعلتهم يعيشون واقعاً افتراضياً سيطر على معظمهم، وأمسوا لا
يريدون أن ينظروا إلى واقعهم الحقيقي، الذي بات في نظرهم معتماً ومكروهاً،
وخاصة الفئة في عمر المراهقة، التي لا تستطيع إلا أن ترتمي وتستسلم لواقع
افتراضي رسم لهم طريق اللامبالاة وعدم الرضا والضياع، وصوّر لهم حياة أناس
بعيدة كل البعد عن واقع عالمهم الذي يحلمون به.
أصبحت التفاهات
والصور المفلترة والكلام المعسول هي أجمل ما في الحياة. اختار هؤلاء الشباب
أن يرتموا في الواقع الافتراضي، وينظروا إلى واقعهم نظرة مريرة وغير مرضية
مليئة بالسوداوية. لم يعد منهم من يقرأ الكتب ولا من يعشق الروايات. (نحمد
الله أن المدارس والجامعات ما زالت تدرّس معظم مناهجها بالكتب حالياً، حتى
لا تضيع العلاقة بينهم وبين الكتب). لعلّ وعسى نستطيع أن نعلّمهم أو
نستدرجهم لمتعة تصفح الكتب باليدين، مع أنني أعلم أنهم يسعون لإبادتها
تماماً بحجة التطور.
ناهيك عن الكتب المدرجة في الإنترنت والروايات
المسموعة، ظناً منهم أنها تسهّل عملية قراءة الكتب والروايات على الأجيال،
مع أن سماع الكتب بهذه الطريقة ما هو إلا قضاء محتم على صحة السمع والأذن.
هؤلاء
الشباب أمانة بين أيدينا. إذا لم ننتبه لأوضاعهم ونشأتهم وتربيتهم، التي
أصبحت عبئاً ثقيلاً وصعباً على أولياء أمورهم، والتي يتدخل التطور
والانفتاح رغماً عنهم في تربيتهم من الجانب السلبي، فلن نستطيع إنكار
الجانب الإيجابي. فمن يستخدم قنوات التواصل بطريقة سليمة فهو الرابح في هذا
العصر. لكننا لا نستطيع أن نتغاضى عن غزو عقول وأفكار أولادنا التي ليس
لها حدود، تكاد السيطرة عليهم معدومة إلا من رحم ربي. وليس للأهل حيلة
بمنعها، فهم كمن يبلع الموسى في حنجرته؛ لا يستطيعون فصلهم وإبعادهم عن
التطور، وفي الوقت ذاته ليس هناك سيطرة تُذكر إلا بمراقبة دقيقة ومتابعة.
مما يستدعي من بعضهم سحب الهاتف الخلوي وإعطائه في أوقات محدودة، والتي
بدأت حينها بأزمة كورونا على وأدها. حتى إن الأطفال في سن صغيرة وجب عليهم
حملها للدراسة والمتابعة. وأعتقد أن تبعات كورونا كانت قوية، فلم يعد بوسع
الأهل إرجاع ما كان عليه أولادهم سابقاً، فضاع الشباب الصغار والأطفال بين
الأحلام والمستقبل المجهول.
مع أن الغرب ما زال يهتم وبشدة بقراءة
الكتب الورقية والروايات، ويعلّم أولادهم هذه العادات القديمة الحديثة، بل
تكاد لا تراهم في قطار أو على شاطئ بحر أو أي وسيلة إلا ويستغلونها
بالقراءة. مع أن السوشيال ميديا متطورة لديهم، إلا أن الميزان الثقافي
لديهم أصحّ مما نفعل نحن، إذ نأخذ التطور من جانب واحد ولا ننظر إلى الخلف
ولا حتى إلى المستقبل بطريقتهم.
ومع كل الصعوبات والتحديات التي
وقفت أمامنا، هناك دائماً أمل في شباب وشابات المستقبل إذا استطعنا أن
نخرجهم من واقعهم الافتراضي بالحوار والتفاهم إلى واقع الحياة الاجتماعية،
من خلال الندوات والورش بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، لتوعية الشباب
في المدرسة حتى التخرج. وأن تكون محاولات جادة لعودتهم إلى عالمنا، عالم
الكتب والورق، الذي يمكن أن يساهم مساهمة قوية في تعايش الواقع. حتى لو
اضطر الأمر أن يكون هناك بعض الحصص الخاصة بالبرنامج المدرسي لقراءة الكتب
والقصص، وعمل مسابقات مشجعة بين الطلبة للتركيز وعدم الشرود، ونحاول أن
نشعرهم بمتعة قراءة الكتب على اختلاف أنواعها ومضامينها.
لنقف صفاً
واحداً ونعترف: إن لم نكثّف الجهود سيصل أبناؤنا إلى الحضيض! نحن في زمن
رهيب، أصبحت الأخلاق والمبادئ مرتبطة بما دسّته الأيدي العفنة في مجتمعاتنا
الإسلامية والعربية، بمخطط قذر شاركت فيه المسلسلات العربية والتركية
والأجنبية والأفلام، التي عملت منذ زمن ليعايش أبناؤنا وبناتنا أفكاراً
وعادات غريبة وغير مقبولة في مجتمعاتنا الإسلامية. فنشرت هذه الدراما
الفجور وعدم الحياء والعقوق والشذوذ، ليتحوّل بعد سنوات كل شيء إلى فساد.
الإعلام
والقنوات المختلفة، أما قنوات التواصل الاجتماعي فقد تربّعت على العرش.
أزمة أخلاقية تمر بها الأمة الإسلامية والعربية على أثر الثورة الإعلامية
المفتوحة والتطور التكنولوجي الحديث، الذي سرق من أولادنا واقعهم وأبعدهم
عن الكتب. وأصبحت السرعة في المعلومة عبارة عن ثوانٍ، بينما يضيعون ساعات
وساعات على قنوات التواصل المختلفة دون أن يشعروا، بين التفاهات والخلاعة
وتدني المستوى. حتى أن بعض مشاهير هذا العصر يحملون مضامين سخيفة وتافهة
أكثر مما ينبغي، ويتسابقون بالتفاهات للوصول إلى مكسب لا يستحق النزول إلى
الحضيض.
رحم الله مشاهير العصور الماضية الذين ما زال صيتهم في
الأدب والشعر والحكمة يعلو كل الأصوات التافهة. الحرب الحقيقية هي حربنا في
مواجهة السموم المنتشرة والحقائق المشوّهة. علينا أن نتكاتف ونجتهد ونحارب
لنخرج أبناءنا من الظلمات إلى النور. مسؤولية مشتركة بين وزارة التربية
والتعليم العالي وأولياء الأمور وكافة مؤسسات الدولة لخلق جيل جديد. هذا
الجيل، وبعد سنوات، سيكون الصف الأول في المجتمع. فأي مجتمع ومستقبل
ينتظرننا !!؟